الطائفة الناجية تطلب الحماية من توافق الهالكين

يبدو أن “الطائفة الناجية” في المملكة العربية السعودية، تلك التي تملأ الدنيا ضجيجاً بالوحدة والتوحيد، قد وجدت نفسها فجأة في موقف لا تحسد عليه. فهي تمد يدها اليوم، بكل تواضع وخشوع، لتستجير وتستنجد بـ”عبّاد القبور” الأشاعرة في مصر، و”الماتريدية” في تركيا، و”الديوبندية” في باكستان. نعم، ذات الأيدي التي كانت تشير بالتكفير والتبديع، تمد الآن أصابعها لتتلقى درعاً من حراس العقائد الذين ظلت تحاربهم عقوداً. إنها، حقاً، لحظة تاريخية تستحق التأمل، حيث يصطفّ رجال الدين “المهتدون” تحت مظلة عسكرية مع من كانوا بالأمس القريب “ضُلالاً” و”أهل بدع”، وكأنما خطر داهم يجعل من العقيدة ثانوية، والجغرافيا السياسية هي أصل البلاء.
لكن دعونا نترك السخرية جانباً، وننتقل إلى الجدية التي تتطلبها هذه اللحظة. فما يُروج له باسم “الناتو الإسلامي” أو “التحالف العسكري الإسلامي” بين الرياض وأنقرة والقاهرة وإسلام آباد يثير أسئلة أكثر بكثير مما يقدم إجابات. السؤال الأول والأخير: ضد من هذا التحالف؟ إن غياب العدو الواضح يجعل منه جيشاً دون هدف، وهذا أخطر ما قد يواجه أي تحالف عسكري.
إذا كان موجهاً ضد إيران، فهل يعلن ذلك صراحة؟ وإذا كان موجهاً ضد إسرائيل، فهل يمتلك هذا التحالف الجرأة الكافية لمواجهتها عسكرياً، أم أنها ستظل تهديداً شفهياً في المؤتمرات والقنوات الفضائية؟ وإذا كان موجهاً ضد أي دولة تهدد هذه البلدان، فأين حدود هذه التهديدات؟ وما آلية العمل عندما تختلف هذه الدول في تعريف من هو “المهدد”؟
تخيلوا سيناريوهات محرجة: إذا هاجمت الهند باكستان، هل يقف التحالف إلى جانب إسلام آباد، مما يعني اندلاع حرب عالمية مع قوة نووية وصاعدة؟ ماذا لو هاجمت تركيا اليونان، أو العكس، أي طرف سيقف التحالف معه؟ وهل ستنهض السعودية ومصر للدفاع عن أنقرة في صراع الناتو التقليدي، أم أن عضويتهم في هذا التحالف ستجعلهم طرفاً في حرب لا تخصهم؟
الأمر لا يتوقف عند الحدود الخارجية للدول، بل يمتد إلى الصراعات الداخلية والإقليمية. ماذا لو قامت السعودية بتحرك عسكري ضد قطر أو الإمارات؟ كيف سيكون موقف التحالف؟ هل سيتفكك أم سينحاز لمصلحة من يدفع أكثر؟ وإذا تصارعت فروع التحالف في ليبيا، حيث تدعم تركيا حكومة طرابلس ومصر تدعم الشرق، فهل سنرى “ناتو إسلامياً” يضرب بعضه بعضاً في صحراء ليبيا؟ وهل سيهاجم هذا التحالف إثيوبيا بسبب سد النهضة، وهو ما يعني حرباً مفتوحة في القرن الأفريقي لا ناقة له فيها ولا جمل؟ وإذا قامت إسرائيل أو إيران بضرب دولة عربية ليست في التحالف، فهل سيتحركون للدفاع عنها، أم أنهم سيتفرجون لأنها “خارج الدائرة”؟
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم حول “كيف”. ما هي آلية العمل العسكري لهذا التحالف؟ هل ستكون هناك سرايا وفرق خاصة جاهزة للإرسال الفوري؟ وإذا نزلت هذه القوات في أرض المعركة، من سيسيّرها؟ من سيكون القائد الأعلى؟ هل تتوحد العقائد العسكرية بين جيش مصري مدرب أميركياً، وجيش تركي يعمل بنظام الناتو، وجيش باكستاني له أولوياته الهندية؟ ثم، من سيوفر الغطاء الجوي؟ هل توجد طائرات إنذار مبكر مشتركة؟ أنظمة مضادة للطائرات مدمجة؟ أم أن كل جيش سيعمل بمفرده تحت راية سياسية فضفاضة؟
أما السؤال الذي يلوح في الأفق كفيل يُغرق السفينة قبل إبحارها، فهو: من يدفع الفاتورة؟ بكل موضوعية، باستثناء المملكة العربية السعودية، فإن اقتصادات تركيا ومصر وباكستان تعاني من عجز كبير، وترزح تحت ديون ثقيلة، وتكافح لتدبير احتياجات شعوبها الأساسية. هل يعني ذلك أن التحالف هو مجرد عقد استئجار للجيوش، حيث تدفع الرياض الثمن لقاء حماية ضد أعداء مجهولين؟ وكأن المملكة تشتري ذخيرة وطائرات وجنوداً من أنقرة والقاهرة وإسلام آباد، مقابل درع سياسي وعسكري يقيها شر ما هو آت.
أليس هذا هو الاعتراف العلني بأن الرياض تشعر بأن واشنطن خذلتها، وطعنتها في الظهر، وتركتها تواجه مصيرها وحيدة؟ وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يكون الحل الأكثر حكمة وأقل كلفة هو الدخول في ميثاق أمني إقليمي حقيقي مع الفواعل الأساسيين في منطقة الشرق الأوسط (السعودية، تركيا، إيران، مصر) يشمل الجميع، ويخلق نظاماً إقليمياً متوازناً يحد من التدخلات الخارجية، ويطرد النفوذ الأميركي بشكل تدريجي؟
لكن هذه الحكمة مستحيلة. فالمملكة العربية السعودية، مهما كانت ثراءً وقوة، ليست دولة حرة في قرارها السيادي الأكبر. واشنطن لن تسمح أبداً بتحالف إقليمي دون ظهير أميركي، لأن أي تفاهم رباعي يضم إيران وتركيا ومصر والسعودية يعني انتهاء الهيمنة الأميركية على المنطقة، وسقوط نظام القواعد العسكرية، وإنهاء احتكار السلاح الأميركي. ولهذا، سيظل هذا “الناتو الجديد” مجرد واجهة هشة، وإعلان حب سياسي لا يُعقبه فعل، ومحاولة يائسة من دولة تحاول شراء الأمان بثمن بخس، تدفعه لجيوش منهكة، مقابل حماية لا تغني ولا تسمن من جوع، في عالم لا يحترم إلا القوي الواضح في أهدافه، الموحّد في عقيدته العسكرية.
