إيران: تصدير الثورة أم استيراد الحلفاء؟

عندما يتحدث العرب عن إيران، تتكرر جملة واحدة وكأنها مسلّمات دينية: “إيران تحاول تصدير الثورة”. يُتهم النظام الإيراني بالتسلل إلى الدول العربية، وبث الفرقة، ونشر المذهب الشيعي في ربوع السنة، وكأن طهران تسير بجيش من الدعاة والمقاتلين خلف كل حركة سياسية في المنطقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل إيران حقاً هي من تبحث عن حلفاء، أم أن الحلفاء هم من يطرقون بابها بعد أن أغلق العرب أبوابهم في وجوههم؟
ما قبل الثورة: إيران لم تكن العدو
قبل عام 1979، لم يكن العرب يملكون مشكلة مع إيران. كان الشاه محمد رضا بهلوي الحليف الأول لإسرائيل في المنطقة، والقوة الضاربة التي كانت تراقب الخليج باسم أميركا، ورغم ذلك كانت العلاقات العربية-الإيرانية هادئة، بل ومتحفظة إيجابياً في كثير من الأحيان. كان العرب يتحملون شاهاً يضخ النفط لإسرائيل، ويقدم لها الدعم الاستخباراتي، ويشكل تهديداً عسكرياً لأي طموح عربي في الخليج، لكنهم لم يرفعوا عقيرتهم ضده. لماذا؟ لأنه كان “سنيّاً” في سياسته، و”غربياً” في توجهاته،.
ثم جاءت الثورة الإسلامية، وتحول كل شيء. أعلنت طهران أن إسرائيل هي العدو الأول، وحوّلت السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة لفلسطين. فجأة، أصبحت إيران دولة “تتبنى القضية التي تخلى عنها العرب”، وهذا هو الخيط الأول الذي يربطها بحلفائها.
لبنان: حزب الله لم يأتِ من طهران
في عام 1982، اجتاحت إسرائيل بيروت، واحتلت جنوب لبنان. الشيعة في الجنوب كانوا يعيشون تحت نير الاحتلال الإسرائيلي القاسي، وفي الداخل كانوا يعانون من تهميش مزدوج: نظام ماروني يسيطر على مقدرات الدولة، وسنة عرب يتفرجون على مصيرهم دون أن يحركوا ساكناً. أين كان العرب؟ مصر وقّعت كامب ديفيد، الأردن كان له ترتيبات تحت الطاولة مع إسرائيل، ودول الخليج كانت مشغولة بشراء السلاح والاستقرار النفطي. لم يأتِ أحد لينقذ الشيعة في جنوب لبنان، إلا إيران.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً: إيران لم تأتِ إلى لبنان، بل اللبنانيون هم من ذهبوا إليها. أرسل الشيعة وفوداً إلى طهران، طلبوا الدعم، وتلقوا التدريب، وعادوا ليشكلوا المقاومة التي حررت جنوب لبنان في عام 2000. إيران لم تفرض حزب الله على لبنان، بل احتضنت حركة كانت ستنشأ مع أو بدون إيران، لأن الظلم اللبناني كان كافياً لولادة مقاومة، لكن الظلم العربي هو الذي دفعها للبحث عن حضن في طهران.
سوريا: صداقة مضطربة فرضتها العزلة
في ثمانينيات القرن الماضي، وجد حافظ الأسد نفسه وحيداً في ساحة الصراع العربي-الإسرائيلي. مصر وقّعت السلام، الأردن كان على أبواب اتفاقيات سرية، ودول الخليج كانت منشغلة بتهديدات إيران الجديدة، ولم يكن أحد يريد الإنفاق على جبهة الجولان. سوريا، التي كانت تعتبر نفسها قلعة المواجهة، وجدت نفسها معزولة. من سيدعمها؟ الولايات المتحدة كانت مع إسرائيل، الاتحاد السوفيتي كان ينهار، والعرب تخلىوا عنها.
لم يكن هناك خيار سوى إيران. لكن العلاقة بين دمشق وطهران كانت في البداية علاقة ندٍّ، وليست علاقة تابع ومتبوع. سوريا كانت الدولة العربية الوحيدة التي تقف مع إيران ضد العراق في الحرب الخانقة، وهذه ليست خدمة صغيرة. لكن الأقدار لعبت دورها. عندما اندلعت الثورة السورية في 2011، وقفت دول الخليج والعرب خلف المعارضة المسلحة، وقرروا إسقاط النظام السوري. وهنا كانت المفارقة: العرب هم من دفعوا سوريا بين أحضان إيران. لو كان هناك أي دعم عربي حقيقي للنظام السوري أو حتى حل سياسي عربي، لما كانت إيران وجدت هذه النفوذ الهائل داخل سوريا. لكن العرب رفعوا شعار “الرحيل” وأغلقوا كل الأبواب، فلم يجد بشار الأسد مخرجاً إلا التوجه إلى طهران.
والأكثر سخرية أن بشار حاول في الابتعاد عن إيران والتقرب من الإمارات وقطر، لكنه اكتشف أن هؤلاء لا يملكون القدرة ولا الإرادة لإنقاذه فسقط بشار ونجحت الثورة
العراق: صدام لم يسقط، بل سقطت الحواجز
قبل عام 2003، كان العراق تحت حكم صدام حسين، الرجل الذي خاض حرباً دموية ضد إيران استمرت ثماني سنوات. صدام كان بمثابة الحاجز الذي يمنع إيران من التمدد غرباً، وكانت إيران تكرهه بقدر ما كان العرب في الخليج يخافونه. لكن بوش الابن قرر أن يزيح هذا الحاجز، ويحول العراق إلى دولة ديمقراطية ذات أغلبية شيعية. ماذا كانت النتيجة؟
الأغلبية الشيعية في العراق، التي قمعها صدام لعقود، أصبحت هي صاحبة القرار. أميركا ودول الخليج لم يكونوا سعداء بهذا الوضع، بل كانوا يفضلون حكماً سنياً ولو كان دكتاتورياً على حكم شيعي ولو كان ديمقراطياً. ومن هنا ولدت الجماعات المسلحة التي توجت بتنظيم “داعش”، الذي كان، في تحليل كثيرين، أداة لضرب الدولة العراقية الناشئة وإضعافها.
في مواجهة هذا التحدي الوجودي، من كان سينقذ العراق؟ أميركا انسحبت، والسعودية والإمارات كانتا تنظران بارتياح إلى تمدد داعش لأنه يضرب “العدو الشيعي”. إيران كانت الوحيدة التي مدت يدها للعراق، دعمت تشكيل “الحشد الشعبي”، ووقفت إلى جانب الحكومة في معركة وجودية. لو لم تكن إيران، لما كان العراق اليوم دولة موحدة، بل أرخبيلاً من دويلات متناحرة. إيران لم تغزُ العراق، بل العراق هو من دعاها حين خان الجميع.
اليمن: الحوثيون لم يولدوا إيرانيين
الزيديون في اليمن يعانون من التهميش منذ عقود، طويلة قبل أن تعرف إيران الثورة أو حتى قبل أن يعرف اليمنيون أن هناك دولة اسمها إيران. كانت صعدة تشتعل بالحروب مع الحكومة اليمنية ست مرات، وكان الحوثيون يقاتلون وحدهم، دون أن يلتفت إليهم أحد. عندما سقط نظام علي عبد الله صالح، واندلعت الحرب، من كان سيدعم الحوثيين؟ السعودية كانت تقصفهم، الإمارات كانت تدعم خصومهم، والأمم المتحدة كانت تتفرج. لم يجد الحوثيون إلا إيران تقدم دعماً سياسياً ولوجستياً.
لكن المفارقة أن إيران نفسها لم تكن متحمسة في البداية لاقتحام اليمن، بل كانت تفضل بقاء نظام صالح لضمان الاستقرار في المنطقة. لكن عندما أغلقت كل الأبواب في وجه الحوثيين، فتحوا باب طهران.
حماس: آخر من لجأ إلى إيران
ربما تكون حماس هي الدليل الأوضح على أن إيران لا “تصدر الثورة” بل “تستورد الحلفاء”. حماس هي حركة سنية، إخوانية، مناهضة بشدة للمذهب الشيعي في خطابها الإيديولوجي. كانت حماس دوماً جزءاً من مشروع الإخوان المسلمين، الذي تعتبره إيران في أدبياتها خصماً سياسياً وفكرياً. لكن ماذا حدث؟
حماس طُردت من كل بيت عربي سني: أغلقت أبوابها في وجهها مصر، وقطعت عنها الدعم سوريا، وأوقف التمويل الخليجي بعد خلافات سياسية. تركيا عرضت عليها كلمات معسولة وخطباً حماسية، لكنها لم تقدم لها السلاح الذي يمكنها من مواجهة إسرائيل. فلسطينيون سنة تركهم العرب، واكتشفوا أن “القدس” أصبحت قضية للاستهلاك الإعلامي لا للقتال الفعلي. لم يجدوا من يزودهم بالصواريخ التي تصل إلى تل أبيب سوى إيران.
نعم، إيران الشيعية تدعم حركة سنية تكفرها في عقيدتها، لماذا؟ لأن إيران لا تهمها عقيدة حماس بقدر ما يهمها أنها تقاتل عدواً واحداً: إسرائيل. وهنا تكمن المفارقة الأكبر: العرب سنة تخلىوا عن حماس، والشيعة إيران احتضنتها.
الحصيلة: إيران لم تصدر شيئاً، بل العرب هم من طردوا حلفاءهم
النظرة إلى إيران كدولة تسعى لبسط نفوذها عبر “تصدير الثورة” هي قراءة سطحية ومضللة. ما فعلته إيران هو أنها كانت الدولة الوحيدة التي فتحت أبوابها لكل من وجد نفسه مطروداً من البيت العربي. حزب الله، سوريا، العراق، الحوثيون، وحماس، كلهم أتوا إلى إيران بعد أن أغلقت في وجوههم الأبواب العربية. إيران لم تختر حلفاءها، بل هم من اختاروها، لأنهم وجدوا أن لا أحد غيرها يرحب بهم.
السؤال الذي يجب أن يطرحه العرب ليس “لماذا توسعت إيران؟” بل “لماذا تركنا حلفاءنا يذهبون إلى إيران؟”
إيران ليست دولة عظمى، وليست إمبراطورية تملك القدرة على مد أذرعها إلى كل هذه الدول دون مبرر داخلي. هي دولة استغلت فراغاً هائلاً تركته الدول العربية، وفراغاً أكبر تركته أميركا. لو كان هناك أي مبادرة عربية لحل مشاكل لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين، لما كانت إيران وجدت هذا النفوذ. لكن العرب اختاروا التفرج، أو الأسوأ، اختاروا إشعال الحروب وتصدير الأزمات، ثم يرفعون أصواتهم متهمين إيران بأنها من زرع الفتنة.
الخلاصة
إيران لم تأتِ إلى العرب، بل العرب هم من ذهبوا إليها. ليس لأنهم يحبونها، بل لأنهم لم يجدوا من يحبهم غيرها. هذا هو الدرس الذي لم يتعلمه العرب بعد: عندما تغلق أبوابك في وجه جيرانك، سيجدون دائماً من يفتح لهم باباً آخر، ولو كان عدواً لك.
إيران لم تصدر الثورة، بل استوردت الحلفاء الذين طردهم العرب.
