مقالات و آراء

معضلة لبنان: الهوية السياسية وليست الطائفية

يظن العالم، ويروج البعض في الداخل، أن مشكلة لبنان تكمن في تكوينه الطائفي الفريد. سبع عشرة طائفة رسمية، لكل منها مذهبها، ومرجعيتها، وتصورها الخاص للخلاص والآخرة. لكن من يسكن هذا البلد، ويعايش تفاصيله اليومية، يدرك حقيقة صادمة: الطوائف ليست هي المشكلة.

تعالوا ننزل إلى الشارع اللبناني. تجد المسيحي والمسلم، السني والشيعي والدروزي، الماروني والروم الأرثوذكسي، يتجاورون في البناية ذاتها، ويتزاورون في المناسبات، ويتبادلون أطراف الحديث في المقاهي، بل ويتناقشون ويتحاورون في القضايا الدينية والفكرية بحرية تامة. السني يناقش الشيعي في فقه الإمامة، والمسيحي يحاور المسلم في لاهوت المسيح، وكل ذلك ينتهي بابتسامة واختلاف لا يقطع الود. فما بالكم إذاً بهذا الانفجار السياسي الذي يهدد كيان الدولة كل بضع سنوات؟

الإجابة واضحة كالشمس: الصراع في لبنان ليس دينياً، بل هو صراع هوية سياسية بامتياز، يتعلق بموقع لبنان من العالم، وبوجهته في العاصفة الإقليمية، وبالضد من هو، قبل أن يكون مع من. وهو صراع ظل عالقاً منذ ما قبل الاستقلال، لكنه تفجر بوضوح في المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية، وما زال يعصف بنا حتى اليوم.

التاريخ يعيد نفسه … لكنه يبدّل الأدوار

قبل اندلاع الحرب الأهلية، كان الانقسام اللبناني واضحاً ومكشوفاً. المسيحيون، بمختلف مذاهبهم، نظروا غرباً نحو واشنطن، ورأوا في الكيان الصهيوني الجديد في فلسطين حقيقة إقليمية لا بأس في التعامل معها، بل ربما حليفاً محتملاً ضد المد القومي العربي. في المقابل، تشبث المسلمون (سنة وشيعة) بالعمق العربي والشرقي، ورفضوا إسرائيل رفضاً مطلقاً، واعتبروا التحالف مع الغرب خيانة للقضية الفلسطينية وللهوية العربية.

كانت الحرب الأهلية، في جوهرها، حرباً على هذه الهوية. من نافذة نطل منها اليوم، بعد عقود من الدماء والخراب، نجد أنفسنا أمام نفس المعادلة، لكن مع انقلاب مذهل في المواقف.

اليوم: السنة يتبنون الرؤية المسيحية، والشيعة يبقون في العزلة

انظروا إلى المشهد السياسي الراهن. لقد استفاق اللبنانيون على مفاجأة مدوية: الطائفة السنية، التي كانت تمثل أمس حجر الزاوية في معاداة إسرائيل والغرب، غيرت جلستها تماماً. هي اليوم لم تعد ترى مانعاً في التحالف مع الولايات المتحدة، ولم تعد تعتبر التطبيع مع الكيان الإسرائيلي خطاً أحمر، بل أصبحت تنظر إليه كخيار استراتيجي أو حقيقة واقعة لا مفر منها. باختصار، تبنى السنة اليوم الرؤية السياسية التي كان يحملها المسيحيون قبل خمسين عاماً.

المسيحيون، من جهتهم، ما زالوا ثابتين على موقفهم التاريخي، بل ويتقاسمون اليوم مع السنة ذات القناعات السياسية تجاه الغرب و”إسرائيل”.

وهنا يكمن لب المعضلة. مع هذا التوافق السني-المسيحي الجديد (أو المستجد)، أصبحت الطائفة الشيعية هي الطرف الوحيد الخارج عن الإجماع الوطني الجديد. هي الوحيدة التي ما زالت تتمسك بالرؤية “الشرقية” القديمة، وتصر على العداء للغرب، وتتبنى خطاب المقاومة المسلح تجاه إسرائيل، وتعتبر الولايات المتحدة عدواً لا يمكن مصافحته.

خاتمة: المعضلة سياسية … توقفوا عن التغطية بالدم الطائفي

المشكلة ليست في الصليب الذي يضعه الماروني على صدره، ولا في الهلال الذي يرفعه الشيعي في مجالسه، ولا في اسم “عمر” أو “علي” أو “جبران”. المشكلة هي في القرار السياسي الذي يتخذ في عواصم بعيدة، ويُلبس ثوباً طائفياً لتبريره وتسويغه للشارع.

الصراع في لبنان هو صراع على الهوية السياسية: هل لبنان دولة عربية شرقية مقاومة، أم دولة منفتحة على الغرب وإسرائيل؟ لقد حسم المسيحيون والسنة أمرهم في هذه القضية. بقي الشيعة وحدهم خارج التوافق. إذا غير الشيعة موقفهم السياسي فقط، ولمسوا ولو قليلاً من منطق الواقعية السياسية، فإن الأزمة ستحل بين عشية وضحاها.

فليتوقف الجميع عن التغطية بالدم الطائفي، وليواجهوا الحقيقة المجردة: أزمة لبنان هي أزمة مشروع سياسي، وليست أزمة إله أو نبي أو طائفة. وهي معضلة لن تحل إلا عندما يدرك الطرف الوحيد المتبقي على الحياد أن الجغرافيا السياسية للعالم تغيرت، وأن التمسك بمواقف الأمس ليس بطولة، بل هو انتحار بطيء للدولة التي تتسع للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Advertisement
Advertisement