بين سلام والزيدي: العمالة خارقة للطوائف

في لبنان والعراق، يظهر مشهد سياسي مثير للاشمئزاز: رئيس وزراء لبناني سنّي يعلن حظر العمليات العسكرية لحزب الله، ورئيس وزراء عراقي شيعي يتعهد بنزع سلاح الفصائل الموالية لإيران. الاثنان يفعلان بالضبط ما تطلبه واشنطن، لكن أحدهما سنّي والآخر شيعي. هذا التناقض المذهبي يكشف حقيقة واحدة: العمالة لا دين لها، والخيانة لا مذهب لها.
أولاً: سلام والزيدي.. وجهان لعملة واحدة
في آذار 2026، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله وحصر عمله بالشأن السياسي . وقال في تصريحات لصحيفة “واشنطن بوست”: “اتخذنا قرارات جريئة وأحرزنا تقدماً بمصادرة الأسلحة وحظر العمليات العسكرية لحزب الله… الدولة لا يمكن أن تمتلك جيشين” .
في المقابل، كشف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في أيلول 2026 عن خطة لنزع سلاح الفصائل المسلحة بحلول 2027، واصفاً إياها بأنها “مسألة شرف” . وقال في مقابلة مع “نيويورك تايمز”: “هدفنا إنهاء وجود هذه الفصائل ككيانات مستقلة” .
كلاهما يتحدث بنفس اللغة: “حصر السلاح بيد الدولة”، “الدولة لا يمكن أن تمتلك جيشين”، “أي جماعة تواصل نشاطها المسلح ستُعتبر خارجة عن القانون”. هذه ليست مصادفة. هذه تعليمات واشنطن، تُنقل عبر سفراءها ومبعوثيها، وتُنفذ عبر عملاء يلبسون عباءة “السيادة الوطنية” وهم أبعد ما يكونون عنها.
ثانياً: لبنان.. حزب الله درع لبنان الذي يريد سلام نزعه
لولا حزب الله، لكان لبنان اليوم تحت رحمة إسرائيل بالكامل. في حرب 2006، وفي كل المواجهات اللاحقة، كان حزب الله هو من دفع الثمن من دماء أبنائه لحماية لبنان من العدوان الإسرائيلي. قرى الجنوب، التي دُمرت ثم أُعيد بناؤها، تشهد على أن المقاومة هي من حمت البيوت في وجه الدبابات الإسرائيلية.
والآن، يأتي نواف سلام – المدعوم من الرياض وواشنطن – ليعلن أن سلاح المقاومة “غير قانوني”، وأن الدولة لا يمكن أن تمتلك جيشين. لكن السؤال البديهي: أي دولة؟ الدولة التي عجزت عن حماية مواطنيها من القصف الإسرائيلي؟ الدولة التي لم تستطع حتى إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل؟ أم الدولة التي يريدها سلام أن تكون مجرد شرطي يسهّل الانسحاب الإسرائيلي ويمنع أي رد؟
الغريب أن سلام يطالب واشنطن وباريس “بالمساعدة في توسيع وتعزيز الجيش اللبناني الذي يعاني ضائقة مالية” . أي أنه يريد من نفس الدول التي تسلح إسرائيل أن تسلح الجيش اللبناني ليقوم بمهمة “حماية لبنان” التي فشل فيها لعقود. هذا ليس حصر سلاح، هذا تفكيك لآخر قدرة دفاعية حقيقية لدى لبنان.
ثالثاً: العراق.. من أنقذ بغداد من داعش؟
في العراق، القصة أكثر إيلاماً. في 2014، عندما اجتاح داعش ثلث العراق وسيطر على الموصل وتقدم نحو بغداد، ماذا فعلت واشنطن؟ تفرجت. ماذا فعلت السعودية و”الدول العربية السنية”؟ تفرجت، بل بعضها دعم التنظيمات المسلحة التي مهدت لداعش.
من أنقذ بغداد؟ إيران. الحشد الشعبي، الذي شُكّل بفتوى المرجعية الشيعية ودُعم من طهران، هو من قاتل داعش في تكريت والفلوجة والموصل. لولا الحشد الشعبي، لكانت بغداد اليوم عاصمة “الخلافة” المزعومة، أو لتقاسمتها إسرائيل مع تركيا.
والآن، يأتي علي الزيدي – الذي رشحه “الإطار التنسيقي” الشيعي – ليقول إن سلاح هذه الفصائل يجب أن يُنزع، وإن “إيران تمنع نفط العراق من عبور هرمز” . ويتحدث عن “ضمانات بعدم تعرض الفصائل لهجمات أمريكية” ، وكأن واشنطن هي الطرف المحايد الذي يحمي العراق من نفسه.
الزيدي نسي أن أمريكا هي من غزت العراق في 2003، وهي من دمرت الدولة العراقية وأشعلت الحرب الطائفية، وهي من سمحت لداعش بالتمدد. والآن يريد أن يثق بضمانات أمريكية لنزع سلاح من حموا بغداد من الذبح.
رابعاً: الشارع السني في لبنان.. من الناصرية إلى الدولار
نواف سلام ليس شخصية سنية تقليدية. جاء من خارج الطبقة السياسية، مدعوماً سعودياً بشكل واضح . والشارع السني اللبناني، الذي كان يوماً حاضنة للقومية العربية والناصرية، تحوّل مع العقود وضخ الأموال السعودية إلى حاضنة لمن يدفع أكثر.
بعد اغتيال رفيق الحريري، دخلت السعودية على خط السياسة اللبنانية بمالها ونفوذها، وحوّلت “الشارع السني” إلى ساحة تنافس على رضا الرياض. سعد الحريري نفسه سقط من الحسابات السعودية، وحلّ محله نواف سلام، الذي لا يزال يحظى بدعم السعودية رغم أنه لا يملك زعامة شعبية حقيقية . دار الفتوى، التي كان يُفترض أن تكون حامية السنة، خرجت لتؤيد “قرارات الحكومة” وتدعو لعدم “تهمة سلام بالخيانة” .
السؤال الذي يطرح نفسه: هل السنة في لبنان فعلاً مع سلام؟ أم أن “الشارع السني” تحوّل إلى ساحة يتنافس فيها من يدفع أكثر، ومن يحظى برضا الرياض؟
خامساً: الشيعة في العراق.. هل يقبلون بذلك؟
هنا السؤال الأكثر إثارة للقلق. علي الزيدي رشحه “الإطار التنسيقي” الشيعي، بدعم من نوري المالكي ومحمد السوداني . لكن الفصائل المسلحة، التي هي جزء من نفس البيئة الشيعية، ترفض خطة نزع السلاح. أحد المحللين المقربين من قوى المقاومة قال صراحة: “الزيدي لن يمر… قرار حسم مصيره ليس بيد الإطار التنسيقي، بل بيد المقاومة وسلاح الشيعة” .
هذا يعني أن الشيعة في العراق منقسمون. قسم يتحدث باسم “الدولة” ويقبل بالضغوط الأمريكية، وقسم يتمسك بسلاحه ويرفض الانصياع. والسؤال: هل الشيعة العراقيون، الذين دفعوا آلاف الشهداء في مواجهة داعش، على استعداد للتخلي عن سلاح من حماهم؟
لا نملك إجابة قاطعة. لكن ما نعرفه أن إيران، التي ساعدت العراق في محنته الكبرى، تعرضت للهجوم من أمريكا وإسرائيل في شباط 2026، وأن العراق خسر 60% من عائداته النفطية بسبب الحرب . في هذا السياق، يبدو أن الزيدي يُستغل كأداة لتصفية الحسابات مع طهران تحت ذريعة “حصر السلاح”.
خاتمة
نواف سلام وعلي الزيدي ليسا “مصلحين” ولا “رجال دولة”. الأول سنّي يحظى بدعم سعودي، والثاني شيعي يحظى بدعم أمريكي معلن. كلاهما ينفذ نفس الأجندة: إضعاف آخر خطوط الدفاع عن لبنان والعراق لصالح إسرائيل وأمريكا.
الفرق الوحيد أن سلام يحظى بغطاء “ديني” من دار الفتوى، بينما الزيدي يواجه رفضاً من فصائل شيعية ترفض التخلي عن سلاحها. لكن في النهاية، كلاهما يعبر عن حالة واحدة: العمالة خارقة للطوائف. والخيانة لا مذهب لها.



