مقالات و آراء

أهل السنة والحاكم: عاش الملك، مات الملك

أهل السنة والحاكم: عاش الملك، مات الملك

ما دفعني لكتابة هذا المقال مشهد بسيط لكنه مثير للتفكير: رأيت كيف بدأت شريحة واسعة من الرأي العام السنّي تتعامل مع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقاً) بوصفه حاكماً شرعياً لسوريا، بصرف النظر عن ماضيه الجهادي وعلاقاته الاستخباراتية المثيرة للجدل التي تناولناها في مقال سابق. هذا القبول السريع والواسع دفعني للتساؤل: لو افترضنا جدلاً أن أبا بكر البغدادي انتصر بدل أن يُقتل، أو أن زهران علوش بقي حياً وتمكّن من فرض سيطرته الكاملة على مناطق واسعة، هل كانا سيحظيان بنفس درجة القبول كحاكمين “شرعيين” بمجرد انتصارهما؟

للإجابة على هذا السؤال، لا حاجة لتخمين، بل يكفي العودة إلى التاريخ الإسلامي نفسه. فشرعية الحاكم قضية مركزية في الفقه السياسي الإسلامي، لا خلاف على أهميتها، لكن المفارقة أن هذا الفقه، من الناحية العملية التاريخية، لم يضع معياراً ثابتاً ومتفقاً عليه لما الذي يجعل حاكماً معيّناً شرعياً دون غيره. والتاريخ، من سقيفة بني ساعدة إلى اليوم، يكشف نمطاً واحداً متكرراً بثبات لافت.

من السقيفة إلى معاوية: الأمة تقول “نعم” في كل مرة

بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، جرى نقاش محتدم في سقيفة بني ساعدة كاد أن ينزلق إلى انقسام خطير بين المهاجرين والأنصار، قبل أن تستقر البيعة على أبي بكر الصديق. لسنا هنا بصدد الخوض في تفاصيل تلك الأحداث الحساسة، لكن النتيجة العملية كانت أن الأمة، رغم التوتر الأولي، قبلت بالأمر الواقع: أبو بكر أصبح الخليفة، وقيل “نعم”.

أبو بكر بدوره انتقل بالحكم إلى عمر بن الخطاب عبر تزكية شخصية مباشرة منه قبل وفاته، دون انتخاب أو شورى واسعة مسبقة، فقيل “نعم” مجدداً. عمر، في المقابل، صمّم عملية أكثر تعقيداً: مجلس شورى من ستة أشخاص كلّفهم باختيار الخليفة من بينهم، وانتهت العملية باختيار عثمان بن عفان، فقيل “نعم” أيضاً. عثمان قُتل على يد ثوار من داخل الدولة الإسلامية نفسها عام 656م، وبويع علي بن أبي طالب خليفة بعده، فقيل “نعم”. عليّ اغتيل بدوره عام 661م، وتولى ابنه الحسن الحكم لأشهر معدودة، قبل أن ينتقل الحكم إلى معاوية فيما عُرف لاحقاً بـ”عام الجماعة”.

وهنا لا بد من التوقف عند هذه التسمية بالذات، لأنها من أنجح عمليات “غسل” الوقائع في السردية الإسلامية التقليدية. فـ”عام الجماعة” يوحي بصلح توافقي، أخوي، نابع من حكمة الحسن ورغبته في حقن دماء المسلمين. وهذا جزء من الصورة، لكنه ليس كل الصورة. الحقيقة الأكثر خشونة هي أن الحسن لم يكن في موقع الندّية التفاوضية: معاوية كان يملك جيشاً أكبر وأكثر انضباطاً وتمويلاً من خزينة الشام الغنية، بينما كان جيش الحسن، بعد اغتيال أبيه وانقسام الكوفة على نفسها، متفككاً، بل إن بعض قادته تفاوضوا سراً مع معاوية وتخلّوا عن الحسن، وتعرّض هو شخصياً لمحاولة اغتيال أضعفت موقفه أكثر. بمعنى آخر: الحسن لم “يتنازل” عن الحكم بمحض إرادته الحرة كما تصوّره الرواية المخفَّفة، بل استسلم لواقع ميزان قوى عسكري ومالي ساحق لصالح معاوية، ولم يكن أمامه خيار واقعي آخر سوى القبول بشروط الطرف الأقوى تفادياً لمجزرة محققة. تسمية هذا الحدث بـ”عام الجماعة” هي، من هذه الزاوية، غطاء لغوي ودعائي أنيق لما هو في جوهره استسلام مفروض بقوة السلاح والمال، أي المرحلة الأخيرة من نفس الانقلاب الذي بدأه معاوية برفض مبايعة علي أصلاً. فقيل “نعم” مرة أخرى، لكنه “نعم” أُملي بحكم الأمر الواقع، لا بحكم الاختيار الحر.

معاوية: انقلاب بكل المقاييس، لا مجرد “خلافة” تحوّلت إلى “ملك”

قبل الحديث عن تحويل معاوية الحكم إلى نظام وراثي، لا بد من تسمية ما فعله معاوية بن أبي سفيان بدقة: لم يكن ما جرى مجرد “تطور طبيعي” في نظام الحكم، بل انقلاب سياسي وعسكري متكامل الأركان على خليفة مُبايَع بالإجماع تقريباً. علي بن أبي طالب كان الخليفة الشرعي الرابع، بويع من قبل جمهور الصحابة في المدينة، بينما كان معاوية مجرد والٍ على الشام، أي موظف تابع نظرياً لسلطة الخليفة. رفض معاوية مبايعة علي، وامتنع عن الانصياع لسلطته المركزية، وجيّش جيشاً كاملاً لمواجهته عسكرياً في معركة صفين عام 657م، ثم استثمر ثغرة في عملية التحكيم لتقويض شرعية علي سياسياً دون أن يُهزم عسكرياً بشكل حاسم. هذا التسلسل، بأي معيار سياسي حديث، هو تعريف كلاسيكي لانقلاب والٍ إقليمي على السلطة المركزية الشرعية، وليس نزاعاً داخلياً على تفسير الشريعة كما تُصوّره الروايات المخفِّفة لاحقاً.

والمثير أن الذريعة التي استخدمها معاوية لتبرير انقلابه هذا كانت المطالبة بالقصاص لعثمان بن عفان، متهماً علياً بالتقصير في ملاحقة قتلته، بل مُلمِّحاً إلى تورط أشخاص من الدائرة القريبة جداً من علي نفسه. فمن بين أبرز من حاصروا دار عثمان وشاركوا في الأحداث المؤدية إلى مقتله، برز اسمان أصبحا لاحقاً من أقرب رجالات علي وقادة جيشه: محمد بن أبي بكر (الذي تربّى في كنف علي بعد زواج أمه أسماء بنت عميس منه، وعيّنه علي لاحقاً والياً على مصر)، ومالك الأشتر (الذي أصبح أحد أبرز قادة علي العسكريين). استغل معاوية هذا الرابط لتوجيه اتهام سياسي مضاعف: إما أن علياً متواطئ، أو أنه عاجز عن ضبط أقرب المقربين منه، وفي الحالتين فهو، بحسب الدعاية الأموية، غير جدير بالخلافة. المفارقة أن علياً نفسه كان قد أرسل ابنيه الحسن والحسين لحماية دار عثمان أثناء الحصار، في مؤشر واضح على أنه لم يكن ضالعاً في الحادثة ولا راضياً عنها، إلا أن هذه الوقائع لم تمنع معاوية من توظيف تهمة “التستّر على القتلة” كغطاء أخلاقي وديني لانقلاب كان في جوهره صراعاً على السلطة بين والٍ طموح وخليفة مركزي أضعف عسكرياً من واليه القوي في الشام.

بعد وفاة علي واستشهاد ابنه الحسن سياسياً بعد حرب فعلية بينه وبين معاوية، خانه فيها أحد كبار قادة جيشه وانضم بقواته إلى صفوف معاوية، فانهار الموقف العسكري للحسن ولم يعد أمامه سوى القبول بشروط الطرف الأقوى، اكتمل الانقلاب فعلياً هذه المرة بنجاح كامل: معاوية لم يكتفِ بتولي الحكم، بل حوّله من نظام خلافة (بصرف النظر عن آلية اختيار كل خليفة) إلى نظام ملكي وراثي، عبر تنصيب ابنه يزيد ولياً للعهد قبل وفاته، في سابقة لم تكن معروفة من قبل بهذا الشكل المباشر، وفي تتويج فعلي للانقلاب الذي بدأه بمواجهة علي: من والٍ متمرد، إلى قائد انقلاب ناجح بفضل خيانة داخلية في معسكر خصمه، إلى مؤسس سلالة حاكمة وراثية. والمفارقة أن القرآن الكريم نفسه يحمل تحذيراً صريحاً من منطق “الملك” هذا بالذات، على لسان بلقيس ملكة سبأ: “إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً” (النمل: 34). ومع ذلك، تحوّل الحكم الإسلامي فعلياً إلى نظام ملكي وراثي بامتياز، واستمر على هذا المنوال لقرون تالية عبر الأمويين والعباسيين وما بعدهم، وقيل “نعم” في كل مرة.

يزيد وابن الزبير: من يقرر من هو الخليفة الشرعي؟

بعد وفاة معاوية عام 680م، برز مطالبان بالخلافة في آن واحد: يزيد بن معاوية في دمشق، وعبد الله بن الزبير الذي أعلن نفسه خليفة من مكة ورفض مبايعة يزيد. المنطقة الإسلامية عملياً انقسمت بين معسكرين، ولم يكن هناك معيار متفق عليه يحسم فوراً من هو “الخليفة الشرعي” بينهما، إلى أن حسمت موازين القوى الأمر تدريجياً. في هذا الصراع، قُتل الحسين بن علي في كربلاء عام 680م على يد قوات يزيد، بينما استمر ابن الزبير في مقاومته ست سنوات إضافية بعد موت يزيد نفسه عام 683م، قبل أن يُقتل أخيراً عام 692م على يد قوات الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي. والسؤال المشروع هنا: لو أن ابن الزبير هو من انتصر بدل الأمويين، هل كان التاريخ سيسجله اليوم بوصفه الخليفة الشرعي “الحقيقي”، فيما يُصوَّر الأمويون كطغاة منقلبين؟ الإجابة، بناءً على النمط المتكرر، هي على الأرجح نعم.

العباسيون: الإبادة كأداة شرعنة

بعد نحو سبعين عاماً من الحكم الأموي، قادت الدعوة العباسية ثورة أطاحت بالدولة الأموية عام 750م، وتُوّجت بمجزرة شهيرة استُدرج فيها عشرات من أمراء بني أمية إلى مأدبة، ثم قُتلوا فيها جميعاً، في واحدة من أعنف عمليات التصفية السياسية في التاريخ الإسلامي المبكر، لم ينجُ منها سوى عبد الرحمن الداخل الذي فرّ إلى الأندلس وأسس هناك إمارة أموية جديدة. ومع ذلك، أصبح العباسيون هم “أهل الحق” و”الخلافة الشرعية” في الرواية السائدة، وقيل “نعم”.

القفزة إلى اليوم: من ابن نايف إلى ابن سلمان

وإذا ظنّ أحد أن هذا المنطق توقف مع زوال الخلافة التقليدية، فالتاريخ القريب يقول عكس ذلك. عام 2017، أُقيل محمد بن نايف من منصب ولي العهد السعودي بقرار داخلي مفاجئ، وحلّ محله محمد بن سلمان، دون أي آلية تصويت أو شورى شعبية علنية تُذكر، ودون أن يثير ذلك أي اعتراض ديني مؤسسي يُذكر من كبار العلماء أو المؤسسات الدينية الرسمية في العالم السنّي. وقيل، كالعادة، “نعم”.

الاستيلاء والتغلب: حين شرعن الفقه نفسه هذا المنطق

اللافت أن هذا النمط لم يبقَ مجرد ممارسة سياسية واقعية بلا غطاء فكري، بل نظّر له لاحقاً جزء من الفقه السياسي السنّي نفسه، عبر ما يُعرف بـ”فقه التغلّب” أو “إمامة المتغلّب”: فكرة مفادها أن من يستولي على الحكم بالقوة ويتمكّن من فرض سيطرته الفعلية، تجب طاعته ويصبح إمامه شرعياً، درءاً لما هو أخطر وهو “الفتنة” وتفكك الجماعة. فقهاء لاحقون، من الماوردي إلى الغزالي وابن تيمية، قدّموا صيغاً مختلفة من هذا المنطق البراغماتي، وبعضهم استند إلى مقولات مأثورة مفادها أن حاكماً ظالماً مستقراً خير من فوضى بلا حاكم على الإطلاق. بعبارة أخرى: الفقه نفسه، في جزء كبير منه، لم يقاوم هذا النمط التاريخي، بل منحه غطاءً شرعياً لاحقاً بعد أن أصبح أمراً واقعاً.

خاتمة: حظ البغدادي العاثر

بناءً على كل ما سبق، تصبح الإجابة على السؤال الذي فتح هذا المقال أوضح بكثير: لماذا يُقبَل أحمد الشرع كحاكم شرعي لسوريا رغم ماضيه؟ لأنه ببساطة انتصر، وتمكّن من فرض سيطرته الفعلية، وهذا وفق النمط التاريخي المتكرر منذ سقيفة بني ساعدة، هو المعيار الحقيقي والوحيد الذي أثبت نفسه عملياً عبر أربعة عشر قرناً، بصرف النظر عن كل الأطر النظرية الأخرى. لسوء حظ أبي بكر البغدادي، لم يكتب له النصر، فبقي “إرهابياً” في السردية السائدة. لو كُتب له الانتصار وتمكّن من فرض سيطرته الكاملة واستقراره، فمن يضمن أن التاريخ، بعد عقد أو عقدين، لم يكن سيتعامل معه بمنطق مختلف تماماً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Advertisement
Advertisement