ليس دفاعاً عن أهل الكوفة ولكن…

مقدمة: الاتهام الجاهز
قلّما تجد مجلسًا شيعيًا أو خطبة عاشورائية لا تمرّ فيها عبارة “أهل الكوفة خذلوا الحسين”، وكأنّ الخذلان صفة جينية لصقت بأهل هذه المدينة عبر الأجيال. والحقيقة أنّ هذا الاتهام ليس مستحدثًا، بل هو موروث من نصوص إمامية مبكرة، أبرزها ما ورد على لسان الإمام علي بن أبي طالب نفسه في خطب متعددة من نهج البلاغة، حين وبّخ أهل الكوفة توبيخًا لاذعًا على تخاذلهم في الجهاد، وتقاعسهم عن نصرته، وميلهم إلى الراحة على حساب الواجب.
ثم تكرر المشهد مع الإمام الحسن، حين اضطر إلى توقيع الصلح مع معاوية بعد أن تفكك جيشه من الداخل، لا من ضغط الخارج فحسب. وبلغ الأمر ذروته المأساوية مع الإمام الحسين، حين أرسل له أهل الكوفة آلاف الرسائل يستدعونه، ثم تركوه وحيدًا في كربلاء يواجه مصيره مع نفر قليل من الأنصار.
هذا السرد صحيح في وقائعه، لكنه ظالم في أحاديّته. فحين نكتفي بترديد “خذلوا الحسين” دون أن نسأل: هل تحملنا ما تحملوه؟.
الاتهام في نصوصه الأصلية
علي وأهل الكوفة: خطب التوبيخ
في أكثر من خطبة من نهج البلاغة، ينفجر الإمام علي غضبًا من جيشه الكوفي. يصفهم بالتخاذل والتباطؤ، ويقارن بينهم وبين أهل الشام الذين “أطاعوا إمامهم في معصية الله” بينما هو لا يكاد يحرّك جيشه “في طاعة الله”. يتحدث عن دعوته إياهم للجهاد فيتثاقلون، وعن نصائحه فلا تنفذ، حتى يصل به الأمر إلى القول إنه يتمنى مبادلتهم بأهل الشام.
هذه الخطب ليست مجرد لحظة غضب عابرة، بل هي توثيق لأزمة بنيوية عاشها علي طيلة خلافته: جيش متعب، منقسم، متردد، لا ينسجم مع رجل يريد خوض معارك حاسمة.
الحسن وانهيار الجبهة الداخلية
مع الحسن، لم يكن الخذلان في ساحة القتال فقط، بل في صفوف قيادته. تسرّبت الأخبار عن تفاوض بعض قادة جيشه مع معاوية، بل عن محاولات اغتيال الحسن نفسه من داخل معسكره. اضطر إلى قبول الصلح ليس عن ضعف عقيدة، بل لأن الأرضية التي يقف عليها كانت تتفتت تحت قدميه.
الحسين ورسائل الكوفة التي تحوّلت إلى صمت
أما مع الحسين، فالمفارقة أشد إيلامًا: آلاف الرسائل، وفود متكررة، مبايعات معلنة، ثم – حين وصل الحسين إلى كربلاء – لم يجد من أهل الكوفة الذين راسلوه إلا قلة قليلة انضمت إليه، بل إن بعضهم قاتل في صفوف الجيش الأموي نفسه.
قبل أن تلعن أهل الكوفة، اسأل نفسك: هل تحملت ما تحملوه؟
هنا يكمن جوهر هذا المقال. فالسهل أن نجلس بعد أربعة عشر قرنًا، في أمان بيوتنا، ونصدر حكمًا أخلاقيًا قاطعًا على أناس عاشوا في ظروف لا يستطيع أغلبنا اليوم تخيلها، فضلًا عن تحمّلها. قبل أن تتهم أهل الكوفة بالجبن والخذلان وتظن نفسك أشجع منهم وأثبت على المبدأ، اسأل نفسك بصدق: هل عشت ما عاشوه؟
مع علي: أربع حروب في خمس سنوات
لم يكن أهل الكوفة يعيشون في هدنة مريحة يتقاعسون فيها عن نصرة إمام يطلب منهم القليل. كانوا شعبًا خاض – في أقل من خمس سنوات – سلسلة من الحروب الأهلية الطاحنة: معركة الجمل، ثم صفين، ثم النهروان، إضافة إلى عشرات المناوشات الصغرى والغارات المتفرقة التي كانت تُشنّ على أطراف العراق طيلة تلك الفترة. هذا يعني أن جيلًا كاملًا من الرجال الكوفيين عاش شبه دائم في السلاح، يدفن قتلاه، ويترك حقوله وتجارته وأسرته، ثم يعود لحرب جديدة قبل أن تجفّ دماء السابقة. أي مجتمع بشري، مهما بلغ إيمانه، يصل إلى نقطة إنهاك حقيقي بعد هذا الكم من الحروب المتتالية. التباطؤ الذي وبّخهم عليه علي لم يكن غالبًا خيانة للمبدأ، بل إرهاقًا بشريًا يعرفه كل من خاض حربًا واحدة، فكيف بأربع؟
مع الحسن: بين رعب جيش الشام وذهب معاوية
حين نصل إلى الحسن، تتغير طبيعة الضغط لكنها لا تخف. أهل الكوفة كانوا محاصرين بين قوتين متكاملتين: من جهة، جيش الشام الضخم المدرَّب المجهّز الذي كان معاوية يلوّح به دومًا كتهديد وجودي، ومن جهة أخرى أموال معاوية التي كانت تتسرب إلى القادة والوجهاء لتفكيك الصفوف من الداخل. هذا مزيج فتّاك: الترهيب من الخارج والترغيب من الداخل في آن واحد. من يملك اليوم ثقة كاملة بأنه كان سيصمد أمام جيش يهدد بإبادة مدينته، بينما يُغرى في نفس الوقت بثروة تُغيّر حياته؟ ذاك مأزق أخلاقي حقيقي، لا مجرد ضعف إيمان.
مع الحسين: دولة الرعب قبل يوم عاشوراء
أما فصل كربلاء، فالظروف فيه ربما كانت الأقسى على الإطلاق. فأهل الكوفة، حين تراجعوا عن الحسين، لم يكونوا يواجهون فقط تهديدًا خارجيًا، بل كانوا يعيشون تحت حكم عبيد الله بن زياد، وهو نظام حكم أُسّس بالكامل على الترويع الممنهج: اعتقالات عشوائية، إعدامات ميدانية سريعة لكل من يُشتبه بولائه لمسلم بن عقيل أو للحسين، مراقبة لصيقة لكل بيت وكل حارة، إلى درجة أن مجرد الاشتباه كان كافيًا لتنفيذ حكم الإعدام دون محاكمة تُذكر. أضف إلى هذا الرعب اليومي الداخلي، التهديد المستمر بقدوم جيش شامي ضخم “سيسحق المدينة بأكملها” إن لم تُطع، ثم فوق كل هذا، إغراءات مالية موازية لشراء الولاءات. أي إنسان عادي، غير معصوم، يعيش تحت ثلاثية الرعب والتهديد والمال، كيف يُطلب منه أن يخرج من بيته ليقاتل جيشًا نظاميًا وهو يعلم أن الثمن ليس موته وحده، بل إبادة عائلته وحيّه بأكمله؟
ليس تبرئة
لا يقصد هذا المقال أن يُبرّئ أهل الكوفة من كل مسؤولية، فالتاريخ لا يُختزل بهذه البساطة، وثمة فارق حقيقي بين من قاتل الحسين فعلًا، ومن باع ولاءه بالمال طواعية، وبين عامة الناس الذين انكسروا تحت وطأة الخوف والقهر..
قبل أن تلعن أهل الكوفة من مقعدك المريح، اسأل: هل واجهتُ أربع حروب متتالية في خمس سنوات؟ هل عشتُ تحت تهديد جيش سيسحق مدينتي بينما يُغرونني بالمال لأخون مبدئي؟ هل نجوت من نظام حكم يقتل بالشبهة، ويراقب كل نَفَس، ثم طُلب مني فوق ذلك أن أحمل سيفي وأخرج للقتال؟ إن إنقلاب شيعة العراق وحتى في لبنان وإيران بعد معاناة أقل من ما عانوه أهل الكوفة هو أكبر دليل إن الاتهام ظالم
إن لم تكن الإجابة “نعم”، فربما يكون الأجدر بنا، قبل إطلاق أحكام القداسة على أنفسنا وأحكام الخيانة على غيرنا، أن نتوقف قليلًا عند حدود ما يستطيع الإنسان تحمّله، وأن نُبقي غضبنا موجّهًا نحو من صنع تلك الآلة الوحشية من الترهيب والترغيب، لا نحو ضحاياها الذين انكسروا تحتها.
