مقالات و آراء

من إميل إده إلى صحناوي: العلاقة المارونية الصهيونية… السرّ الذي لم يعد سرّاً

مقدمة

حين رحّب المصرفي اللبناني أنطون صحناوي، رئيس مجلس إدارة بنك س ج ب ال، بمسؤولين إسرائيليين وأميركيين على مائدة واحدة في واشنطن، ووُصف علناً بأنه ينحدر من “أجيال من الصهاينة اللبنانيين المسيحيين”، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه سابقة غير مألوفة. لكن قراءة متأنية للأرشيف التاريخي تكشف أن هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو الحلقة الأحدث في خط طويل من التواصل بين قطاع من القيادات المارونية والحركة الصهيونية، بدأ قبل قيام إسرائيل بعقود، وتقاطع مع تفكير استراتيجي إسرائيلي دؤوب حول جنوب لبنان ونهر الليطاني.

هذا المقال يعيد تركيب هذا الخط، اعتماداً على مصادر أكاديمية موثقة، أبرزها كتاب لورا زيترين آيزنبرغ My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900–1948، وكتاب ديفيد هيرست Beware of Small States: Lebanon, Battleground of the Middle East، والمجلد الجماعي The War for Palestine: Rewriting the History of 1948 الذي أشرف عليه يوجين روغان وآفي شلايم، إضافة إلى تقارير صحافية حديثة موثقة عن الحلقة المعاصرة من هذه العلاقة.

من المهم التذكير منذ البداية بأن هذا التيار لم يكن يوماً موقفاً موحداً لكل الموارنة أو المسيحيين اللبنانيين؛ فقد عارضه سياسيون مسيحيون بارزون، من ريمون إده (نجل إميل إده نفسه) الذي رفض التدخلات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، إلى شخصيات أخرى اعتبرت أي تقارب مع إسرائيل خطراً على وحدة لبنان الوطنية. المقال يتناول تياراً سياسياً محدداً ضمن الطائفة، لا الطائفة بأسرها.


أولاً: لبنان في “الخيال الصهيوني” المبكر

توثق آيزنبرغ في دراستها الأكاديمية، التي بدأت أطروحة دكتوراه في جامعة ميشيغان قبل أن تتحول إلى كتاب صادر عن جامعة وين ستايت، كيف شكّل لبنان منذ مطلع القرن العشرين محط اهتمام خاص للوكالة اليهودية. فبخلاف الدول العربية الأخرى، بدا لبنان بتركيبته الطائفية وحضوره المسيحي البارز مرشحاً لما وصفته الوكالة بـ”تحالف الأقليات”. كانت “الوكالة اليهودية” ترى في التواصل مع زعامات مسيحية محلية بديلاً عن التفاوض المباشر مع الفلسطينيين الذين اعتبرتهم “غير قادرين على تسليم البضاعة”، بحسب تعبير حاييم وايزمان في إحدى رسائله عام 1937.

هذا التفكير لم يكن نظرياً بحتاً؛ ففي مطلع الثلاثينيات، استقبلت جمعية “الفينيقيين الشباب” في بيروت المسؤول الصهيوني فيكتور جاكوبسون، وتحدثت معه عن إحياء الروابط التاريخية المفترضة بين الفينيقيين ومملكة سليمان — وهو خطاب أيديولوجي استُخدم لاحقاً لتبرير فكرة “الخصوصية” اللبنانية المسيحية في مواجهة “المحيط العربي”.


ثانياً: إميل إده والمفاوضات السرية (1937–1938)

يشكّل الرئيس اللبناني الأسبق إميل إده الحلقة المركزية في هذا التاريخ. بحسب آيزنبرغ، بدأت اتصالات إده بالممثلين الصهاينة في أوائل الثلاثينيات، حين عبّر عن تأييده لعلاقات ودية مع المستوطنين اليهود، بل و”تحالف صهيوني-ماروني”. وحين انتُخب إده رئيساً للجمهورية عام 1936، استمرت قنوات التواصل مع الوكالة اليهودية عبر مبعوثين مثل إسحق قادمي-كوهين، الذي التقى إده أكثر من مرة مطلع عام 1937 ونقل تفاصيل هذه اللقاءات إلى الأرشيف الصهيوني المركزي.

الأهم أن رئيس حكومة إده، خير الدين الأحدب — أول سنّي يتولى رئاسة الحكومة اللبنانية — قدّم بدوره ضمانات لأمن المستوطنات اليهودية على الحدود اللبنانية الفلسطينية. وبحسب ما توثقه آيزنبرغ في فصل مخصص لهذه المرحلة، فإن الطرح الذي حمله إده إلى محاوريه الصهاينة تضمن مقترحاً جوهرياً: التنازل عن أجزاء من الجنوب اللبناني، وتحديداً صور وصيدا، لدولة يهودية مقبلة، في مقابل دعم صهيوني لقيام لبنان مسيحي أصغر حجماً وأكثر تجانساً طائفياً — أي التخلي عن “لبنان الكبير” الذي ضمّته فرنسا عام 1920 مقابل كيان ماروني “نقي”.

هذا العرض لم يبقَ حبيس الغرف المغلقة فحسب؛ فبحسب شهادة خورخي غارثيا-غرانادوس، أحد أعضاء لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين (أونسكوب) في مذكراته The Birth of Israel (1948)، أبلغ قادة مسيحيون لبنانيون، من بينهم إده، مندوبي الأمم المتحدة سراً بأن كثيرين في لبنان مستعدون من حيث المبدأ لقبول التقسيم وقيام دولة يهودية، لكنهم لا يستطيعون الإعلان عن ذلك علناً بسبب ضغط الجامعة العربية والحسابات السياسية الداخلية.


ثالثاً: الأرشيف الصهيوني وجنوب لبنان: الليطاني كخط استراتيجي

الجنوب اللبناني، وتحديداً نهر الليطاني، لم يكن مجرد تفصيل جغرافي في التفكير الصهيوني، بل عنصراً ثابتاً في رسم الحدود المتخيّلة لـ”الوطن القومي اليهودي” منذ أول لحظة. ففي شباط/فبراير 1919، وخلال مؤتمر الصلح في باريس، قدّم حاييم وايزمان — وإلى جانبه ديفيد بن غوريون — خريطة لـ”الوطن القومي اليهودي” تمتد شمالاً لتشمل جنوب لبنان، جاعلةً من نهر الليطاني حدّاً لها، خلافاً لما كانت تتوقعه القوى الأوروبية من اقتصار هذا الوطن على حدود فلسطين الانتدابية.

وقد نُقل عن وايزمان نفسه، في مراسلاته مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج عام 1919، وصفه لمياه الليطاني بأنها “عديمة القيمة” بالنسبة إلى لبنان لكنها “ضرورية لمستقبل الوطن القومي اليهودي” — وهو ما يفسر أن المطالبة بالليطاني لم تكن مسألة أمنية بحتة بل مسألة مائية-اقتصادية في الأساس. غير أن التسوية الفرنسية-البريطانية النهائية رسمت الحدود عند رأس الناقورة، حرصاً من باريس على عدم التفريط بحلفائها الموارنة التاريخيين.

هذا الطموح لم يخبُ مع رسم الحدود؛ فقد ظل حاضراً في التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي طوال العقود اللاحقة، من افتراض بن غوريون الضمني بأن حدود الدولة اليهودية ستمتد حتى الليطاني، إلى المطالبة العلنية التي أطلقها بتسلئيل سموتريتش في الكنيست في آذار/مارس 2026، حين استحضر النهر مجدداً كخط فاصل، بالتزامن مع استهداف الجسور الممتدة فوقه وتوسّع النزوح في قرى الجنوب الحدودية.


رابعاً: حرب 1948… حين اكتفت النخبة اللبنانية بمعركة “رمزية”

من أكثر الفصول دلالة في هذا التاريخ ما يورده الباحث ماثيو هيوز في فصله “Collusion across the Litani? Lebanon and the 1948 War” ضمن كتاب The War for Palestine بإشراف روغان وشلايم (الطبعة الثانية، 2007). يخلص هيوز إلى أن لبنان لم يمتلك، سياسياً ولا عسكرياً، الإرادة أو القدرة على خوض حرب فعلية ضد إسرائيل عام 1948، وأنه كان “طرفاً محارباً بالاسم فقط”، تاركاً القتال الفعلي لجيوش أخرى. ويعزو هيوز هذا الإحجام إلى أن الحكومة اللبنانية ذات الغالبية المسيحية لم يكن لديها حافز حقيقي لمقاتلة إسرائيل، وأن قطاعات من الطائفة المسيحية فضّلت التواطؤ مع “الييشوف” اليهودي قبل 1948 وبعده.

ترجم هذا الموقف السياسي إلى وقائع ميدانية محددة: فبينما زجّت مصر والأردن وسوريا والعراق بقوات فعلية في الحرب، اكتفى الجيش اللبناني، بحسب هيوز، بخوض معركة واحدة لا تتجاوز نصف يوم عند قرية المالكية الحدودية في حزيران/يونيو 1948 — وهي مواجهة يصفها الباحث بأنها “عديمة الأهمية ورمزية”، تقدم خلالها الجيش مسافة قصيرة داخل الأراضي الفلسطينية قبل أن يتوقف وينتظر ببساطة نتيجة الحرب في الجبهات الأخرى. وهكذا لم يرسل لبنان إلى الجبهة سوى قوة رمزية العدد والدور، تفي بالحد الأدنى من التزامات جامعة الدول العربية دون أن تدفع البلاد إلى مواجهة حقيقية مع الجانب الإسرائيلي.

هذا “الحد الأدنى” من المشاركة لم يكن، بحسب القراءة التي يطرحها هيوز، مجرد ضعف عسكري عابر، بل انعكاساً لحسابات النخبة السياسية المسيحية الحاكمة آنذاك، التي كانت تدرك هشاشة “الميثاق الوطني” لعام 1943 وتخشى أن يؤدي التعبئة الشاملة أو التورط في حرب طويلة إلى تفجير التوازن الطائفي الداخلي قبل تحقيق أي مكسب خارجي. وهو ما يتقاطع مع ما توثقه آيزنبرغ من اتصالات موازية كانت جارية في تلك الأثناء بين قطاعات من القيادة المسيحية والوكالة اليهودية، بما يجعل من “الحياد شبه الفعلي” اللبناني في 1948 امتداداً منطقياً لتفاهمات سابقة أكثر منه قراراً عسكرياً مستقلاً.

ويذهب بعض المؤرخين إلى أبعد من مجرد تفسير ضعف المشاركة اللبنانية باعتبارات عسكرية أو داخلية. ففي دراسته لحرب 1948، يكتب المؤرخ الإسرائيلي يوآف غيلبر أن دافيد بن غوريون توصّل عام 1947 إلى تفاهم مع القيادة الدينية المارونية في لبنان “كلّف بضعة آلاف من الجنيهات” وأسهم في إبقاء الجيش اللبناني خارج الحرب بصورة فعلية. ويورد ماثيو هيوز هذه الإشارة ضمن عرضه للسياسة اللبنانية عشية الحرب، في سياق تفسير محدودية المشاركة العسكرية اللبنانية، إلا أن هوية الأطراف التي تلقت هذا التمويل وطبيعته ومدى تأثيره الفعلي تبقى موضع نقاش بين الباحثين،

مع ذلك، لم تكتفِ إسرائيل بالتفكير النظري بالليطاني؛ فقد تقدمت قوات “الكتيبة السابعة” بقيادة الضابط الكندي بن دونكلمان حتى ضفاف النهر خلال عملية عُرفت باسم “حيرام”، محتلةً خمس عشرة قرية لبنانية، قبل أن يأمر بن غوريون بالانسحاب.

خامساً: من التقارب السري إلى التخطيط العلني: بن غوريون وديان (1948–1955)

الأهم من ذلك ما توثقه آيزنبرغ وهيرست معاً حول العقد التالي: ففي عام 1954، اقترح بن غوريون، بصفته رئيساً سابقاً للحكومة آنذاك، تشجيع انقلاب عسكري في لبنان لإقامة نظام مسيحي متحالف مع إسرائيل — وهو اقتراح رفضه رئيس الحكومة آنذاك موشيه شاريت ووصفه في مذكراته بأنه “هراء”. غير أن الفكرة عادت للظهور عام 1955 حين اقترح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك موشيه ديان، بحسب ما يورده هيرست في كتابه، خطة تقوم على دفع ضابط لبناني موالٍ لإصدار إعلان مسيحي، على أن يدخل الجيش الإسرائيلي بعدها لاحتلال المنطقة اللازمة وإقامة حكم مسيحي متحالف مع إسرائيل، فيما تُضمّ الأراضي الواقعة جنوب الليطاني بالكامل إلى إسرائيل. هذا المخطط، كما يلاحظ معلقون لاحقون، استبق بشكل لافت ما جرى فعلياً خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.


سادساً: المال في المعادلة: من “المساعدة المادية” السرية إلى تمويل الميليشيات

خيط آخر لا يقل أهمية عن المفاوضات والخرائط هو خيط المال. فالعلاقة بين الوكالة اليهودية ثم إسرائيل من جهة، وحلفائها الموارنة من جهة أخرى، لم تكن يوماً علاقة أفكار وتحالفات معنوية بحتة، بل تضمنت في أكثر من محطة دعماً مادياً مباشراً.

في المرحلة التأسيسية (عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي)، تشير دراسة أكاديمية حديثة قارنت بين أعمال آيزنبرغ وهيرست وكيرستن شولتزه إلى أن “استثمار الوكالة اليهودية” في تحالفها مع الموارنة ظل محدوداً نسبياً، لكنه لم يكن معدوماً؛ إذ اقتصر بشكل رئيسي على “مساعدة مادية ودبلوماسية” لحلفائها الموارنة. وتوثق دراسة أكاديمية أخرى، صادرة عن كتاب متخصص بعلاقة الوكالة اليهودية بسوريا ولبنان خلال الثورة العربية الكبرى (1936–1939)، أن الوكالة سعت خلال تلك الفترة إلى التأثير في الرأي العام والنخب السياسية عبر “زرع مقالات صهيونية في الصحف السورية واللبنانية”، بل عبر شراء بعض هذه الصحف مباشرة — وهي وسيلة تمويل غير مباشرة لكنها فعالة لكسب تعاطف النخب المسيحية والصحافة المحلية.

المرجع الأكاديمي الأكثر تخصصاً في هذا الملف بالذات هو كتاب كيرستن إ. شولتزه Israel’s Covert Diplomacy in Lebanon (بالغريف ماكميلان، 1998)، الذي يعتمد بشكل مباشر على وثائق الأرشيف الصهيوني المركزي (CZA) وأرشيف دولة إسرائيل (ISA) وأرشيف وايزمان. ففي الفصل المخصص لعلاقة الزعامات المارونية بإسرائيل بين عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي، تستند شولتزه إلى محضر أعده المسؤول الصهيوني إ. إبستين لاجتماع مباشر جمع حاييم وايزمان بإميل إده في 22 حزيران/يونيو 1937 — وهو مستند أرشيفي يوثق اللقاء شخصياً لا بالوساطة فقط. كما تحيل شولتزه إلى مذكرات إلياهو ساسون، أحد كبار مسؤولي القسم العربي في الوكالة اليهودية، والتي تكشف تفاصيل العلاقة مع حكومة إده ورئيس وزرائه خير الدين الأحدب بين 1937 و1938.

وللمقارنة، فإن نمط “شراء الولاء أو الأرض” من النخب اللبنانية لم يقتصر على الموارنة وحدهم؛ فقد وثّق الباحث إيان بلاك أن امتياز استصلاح أراضي الحولة كان بحوزة الزعيم السنّي سليم سلام، الذي باعه للصهاينة عام 1934، فيما واصل نجله صائب سلام السياسة العائلية نفسها، متوليًا موقعاً سياسياً سهّل له بيع ثلاث قرى تعود ملكيتها لعائلته في أقصى جنوب لبنان لليهود — ما يكشف أن التمويل الصهيوني للنخب اللبنانية، بمن فيهم غير الموارنة، كان جزءاً من نمط أوسع لشراء النفوذ والأرض في تلك الحقبة، لا حكراً على تيار “التحالف الماروني” فقط.

أما الحلقة الأكثر توثيقاً أكاديمياً لتحول هذا الدعم إلى علاقة مؤسسية بعد قيام إسرائيل، فهي دراسة المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس “Israel and the Lebanese Phalange: The Birth of a Relationship 1948–1951” المنشورة في دورية Studies in Zionism عام 1984، والتي تتتبع، اعتماداً على وثائق رسمية إسرائيلية، الخطوات الأولى التي حوّلت التعاطف السياسي مع حزب “الكتائب” إلى علاقة دعم فعلية في السنوات الثلاث الأولى التي أعقبت تأسيس إسرائيل مباشرة. ويكمل موريس، بالاشتراك مع إيان بلاك، هذا الخط في كتابهما المرجعي Israel’s Secret Wars (1991) الذي يوثق الأدوار اللاحقة لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في نسج علاقات مع الزعامات المارونية.

مع اندلاع حرب 1948، لم يكن التفكير الإسرائيلي بلبنان مقتصراً على الخرائط والحدود؛ فبحسب ما تورده تقارير بحثية حديثة، أعلن بن غوريون لضباطه في أيام الحرب الأولى أن لبنان هو “نقطة الضعف” في التحالف العربي، وأن الحكم الإسلامي فيه “مصطنع وسهل التقويض”، داعياً إلى إقامة دولة مسيحية حدودها الجنوبية عند الليطاني، على أن “تُقام معها إسرائيل تحالفاً”. هذا التصريح يضيء الخلفية التي جعلت إسرائيل تفضّل معاملة لبنان بوصفه حليفاً كامناً لا عدواً يجب سحقه — وهو ما يساعد في تفسير سبب اكتفاء الجيش اللبناني بدوره الرمزي في الجبهة، إذ لم تكن إسرائيل نفسها معنية بدفعه إلى قتال شامل، بل بإبقائه بعيداً عن المواجهة تمهيداً لتفعيل “تحالف الأقليات” لاحقاً.

انتقل هذا الدعم إلى مستوى أكثر مباشرة مع أزمة 1958؛ ففي تلك السنة، ومع تصاعد التوتر الداخلي في عهد الرئيس كميل شمعون، نقل جهاز الموساد الإسرائيلي أسلحة إلى ميليشيات الرئيس شمعون وحزب “الكتائب” بقيادة بيار الجميل، بحسب ما توثقه مصادر متخصصة في تاريخ عمليات الموساد.

أما الفصل الأوضح في هذا الملف فهو حقبة الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، حين تحوّل الدعم المالي إلى تمويل مباشر لميليشيا مسلحة، وباتت له أرقام محددة موثقة. فبحسب سلسلة “دراسات الدول” الصادرة عن مكتبة الكونغرس الأميركية (Library of Congress Country Studies)، استثمر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحق رابين ما يُقدَّر بـ150 مليون دولار أميركي لتجهيز وتدريب ميليشيا حزب الكتائب الماروني خلال الحرب الأهلية في عاميها الأولين (1975–1976) وحدهما — وهو رقم يوضح أن الدعم لم يكن رمزياً أو عرَضياً، بل استثماراً استراتيجياً مباشراً ومكلفاً.

بالتوازي، أنشأت إسرائيل بعد اجتياحها الأول للبنان عام 1978 ميليشيا “جيش لبنان الجنوبي” بقيادة الرائد سعد حداد، والتي تصفها موسوعة بريتانيكا بأنها ميليشيا “مسلّحة وممولة من إسرائيل” لتعمل كقوة وكيلة بقيادة مسيحية لبنانية على طول الحدود الجنوبية. وفي موازاة ذلك، تشير مصادر عدة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، بالتوازي مع الدعم المالي لحزب الكتائب، تبنى منذ عام 1954 عرض بن غوريون الأصلي بدعم دويلة مسيحية مارونية متحالفة مع إسرائيل، وهو ما بدأ يتحول إلى واقع مموّل فعلياً بحلول السبعينيات.

فبحسب مصادر عدة، بينها موسوعة Encyclopedia.com، جرى تجنيد بشير الجميل من قبل المخابرات المركزية الأميركية (CIA) في أوائل السبعينيات كمُخبر مقابل المال، وازدادت قيمة هذه المدفوعات بشكل ملحوظ بعد توليه قيادة ميليشيا “الكتائب” ثم “القوات اللبنانية” عام 1976. لاحقاً، وخلال إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ضغط وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون من أجل تخصيص عشرة ملايين دولار كمساعدات أميركية سرية لميليشيا الجميل. وبالتوازي مع هذا التمويل الأميركي، وثّق موقع “المنصة” أن بشير الجميل اضطر لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن سراً بعد انتخابه رئيساً عام 1982، ليس فقط لتنسيق الموقف السياسي، بل أيضاً “لتسديد فاتورة” ما قدّمته إسرائيل لقواته من سلاح وتمويل ودعم ميداني طوال سنوات الحرب الأهلية.

هذا النمط من التمويل الخارجي — الأميركي عبر المخابرات المركزية، والإسرائيلي عبر الموساد ومباشرة عبر السلاح والدعم اللوجستي — لم يكن حكراً على “القوات اللبنانية” وحدها. فكما أُشير سابقاً، وثّقت تقارير صحافية حديثة أن نبيل صحناوي، والد المصرفي أنطون صحناوي، كان من أبرز الممولين المحليين لهذه الميليشيا نفسها؛ ما يجعل خيط التمويل يمتد، عبر جيل واحد، من الدعم الإسرائيلي-الأميركي المباشر للقوات اللبنانية إلى التمويل العائلي الذي انبثقت منه لاحقاً علاقة نجله العلنية مع إسرائيل.

سابعاً: الحرب الأهلية و”القوات اللبنانية”

حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، وجدت إسرائيل في ميليشيا “القوات اللبنانية” التي تأسست عام 1976 حليفاً طبيعياً يعيد إحياء منطق “تحالف الأقليات” القديم. بعد اجتياح 1982، أقامت إسرائيل “الحزام الأمني” في الجنوب اللبناني بمشاركة “جيش لبنان الجنوبي” الذي كان غالبية ضباطه من الموارنة، واستمر هذا الترتيب حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.


ثامناً: صحناوي، أو حين تصبح العلاقة علنية

المسافة بين همسات إده السرية عام 1937 وعشاء صحناوي العلني مع بنيامين نتنياهو في واشنطن صيف 2026 تختصر مسار هذا التيار بأكمله. فبحسب تقارير عدة، من بينها تقرير لصحيفة ذا ناشيونال الإماراتية وآخر لموقع “الجزيرة”، وُصف أنطون صحناوي علناً من قبل المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس بأنه سليل “أجيال من الصهاينة اللبنانيين المسيحيين”، وأن عائلته ربّته على دعم إسرائيل. كما موّل صحناوي مبادرة “الأوبرا الأميركية-الإسرائيلية” بالشراكة بين أوبرا واشنطن الوطنية والأوبرا الإسرائيلية في تل أبيب، وهو ما وصفته أورتاغوس بأنه “غير قانوني من الناحية التقنية” بموجب القانون اللبناني الذي يجرّم أي تعامل مع كيانات أو أفراد إسرائيليين.

يشغل صحناوي منصب رئيس مجلس إدارة “البنك السوسييتيه جنرال – لبنان” (SGBL)، وهو من أبرز البنوك اللبنانية، فيما تواجهه وبنكه، بحسب تقارير صحافية، دعاوى واتهامات لم يُبتّ فيها قضائياً بعد، من بينها اتهامات محلية بشأن عمليات مالية مرتبطة بالأزمة النقدية منذ 2019 ينفيها هو والبنك، ودعوى مدنية في الولايات المتحدة رفعتها عائلات ضحايا هجمات نُسبت إلى حزب الله، تتعلق بتعاملات للبنك ورثها عن “بنك لبنان الكندي”، وهي دعوى ينفيها البنك أيضاً.


خاتمة: خيط واحد أم قراءات متعددة؟

القراءة المعروضة هنا تتبع خيطاً واحداً داخل تاريخ لبنان الحديث — خيط تفاوض واقتراحات وتحالفات ظرفية، وأحياناً تمويل مباشر، بين قطاع من القيادة المارونية والحركة الصهيونية ثم دولة إسرائيل، امتد من إده إلى صحناوي مروراً ببيار الجميل وبشير الجميل وموارنة “القوات اللبنانية”. لكن هذا الخيط لا يختصر تاريخ الموارنة أو المسيحيين اللبنانيين، الذين شكّلوا أيضاً بعضاً من أبرز الأصوات القومية العربية والمناهضة لإسرائيل، من ريمون إده إلى شخصيات أخرى رأت في أي تقارب مع إسرائيل تهديداً لسيادة لبنان ووحدته الداخلية. كما أن الأرشيف الصهيوني نفسه — كما توثقه آيزنبرغ — يُظهر أن هذا “التحالف” لم يكن يوماً استراتيجية متماسكة، بل تجربة اتسمت بالتردد والانتهازية من الجانبين، وبفشل متكرر في التحول إلى معاهدة رسمية.

ما يبقى ثابتاً، مع ذلك، هو أن مسألة الليطاني وجنوب لبنان لم تغب يوماً عن التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي منذ خريطة وايزمان عام 1919 وحتى خطاب سموتريتش عام 2026 — وأن هذا الخط الجغرافي-الاستراتيجي وجد باستمرار من يتقاطع معه من الداخل اللبناني.


المراجع

  1. Eisenberg, Laura Zittrain. My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900–1948. Detroit: Wayne State University Press, 1994.
  2. Hirst, David. Beware of Small States: Lebanon, Battleground of the Middle East. London: Faber and Faber, 2010. ISBN 9780571237418 (see especially discussions on pp. 30–31, 42, 64–66, 118, 141, 196–199).
  3. Rogan, Eugene L., and Avi Shlaim (eds.). The War for Palestine: Rewriting the History of 1948, 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 2007.
  • Hughes, Matthew. “Collusion across the Litani? Lebanon and the 1948 War.” Chapter 9 in Rogan and Shlaim (eds.), The War for Palestine, pp. 204–227.
  1. García-Granados, Jorge. The Birth of Israel: The Drama as I Saw It. New York: Knopf, 1948.
  2. Kessler, Oren. “Israel and Lebanon: Once almost-allies, now at war… again.” Oren Kessler’s Substack, 2026.
  3. “South Lebanon in the Zionist Imagination: From the Litani to ‘Greater Israel’.” Noon Post, April 2026.
  4. Massad, Joseph. “Why do Lebanese leaders keep courting Israel?” Middle East Eye, April 2026.
  5. “Israel’s Attempts to Dominate Lebanon, a Brief History.” Palestine Nexus, March 2026.
  6. “Ortagus and Lebanese banker Sehnaoui attend Holocaust event amid Lebanon-Israel talks.” The National, April 15, 2026.
  7. “Controversy as Lebanese banker Sehnaoui is praised for supporting Israel.” Al Jazeera, April 17, 2026.
  8. “Lebanese banker Antoun Sehnaoui hosts Netanyahu at dinner in Washington.” The National, July 28, 2026.
  9. “Inside the Sehnaoui family: The rise of Antoun.” L’Orient Today, 2026.
  10. “A U.S. Court Investigates: Did Antoun Sehnaoui Launder Money for Hezbollah?” Daraj, December 2025.
  11. “Lebanese Entrepreneur Provides Financial Support for U.S.-Israeli Opera Initiative.” Washington Jewish Week, August 2025.
  12. “The Promise and Failure of the Zionist-Maronite Relationship, 1920–1948” (academic paper synthesizing Eisenberg, Hirst, and Kirsten Schulze).
  13. The Jewish Agency and Syria during the Arab Revolt in Palestine: Secret Meetings and Negotiations. London: I.B. Tauris/Bloomsbury.
  14. “Israel’s Attempts to Dominate Lebanon, a Brief History.” Palestine Nexus, March 2026 (on Ben-Gurion’s 1948 statements regarding Lebanon).
  15. “Mossad-CIA: Global Operations History.” ISGP-Studies (on 1958 Mossad arms transfers to Chamoun and the Phalange).
  16. “Gemayel, Bashir.” Encyclopedia.com (on CIA recruitment and payments, and Sharon’s proposed $10 million covert US aid).
  17. “Israel’s ‘boys’ from Bashir Gemayel to Al-Golani.” Al Manassa, August 2025.
  18. Schulze, Kirsten E. Israel’s Covert Diplomacy in Lebanon. London: Palgrave Macmillan (St Antony’s Series), 1998 — see esp. ch. 1, “The Idea of an Alliance: Israeli–Maronite Relations, 1920s–1948,” citing Central Zionist Archives (CZA), Israel State Archives (ISA), and Weizmann Archives documents, including E. Epstein’s account of the 22 June 1937 Weizmann–Eddé meeting and Eliahu Sasson’s memoir Ba Derekh el HaShalom.
  19. Morris, Benny. “Israel and the Lebanese Phalange: The Birth of a Relationship, 1948–1951.” Studies in Zionism, Vol. 5, No. 1 (1984), pp. 125–144.
  20. Black, Ian, and Benny Morris. Israel’s Secret Wars: A History of Israel’s Intelligence Services. London: Hamish Hamilton, 1991.
  21. Black, Ian. Zionism and the Arabs, 1936–1939. London: Garland Publishing, 1986 (on land purchases from Lebanese notables, including the Salaam family’s sale of Huleh Valley and southern-Lebanon village land).
  22. “Israel – Israeli Action in Lebanon, 1978-82.” Library of Congress Country Studies, via Country-Data.com (on Rabin’s reported $150 million investment in the Phalange militia, 1975–76).
  23. “Lebanese Civil War.” Encyclopædia Britannica (on the Israeli

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Advertisement
Advertisement