مقالات و آراء

الحمد لله على نعمة الغرب؟

في الأيام الأخيرة من تموز (يوليو) 2026، شهدت مدينة سبتة الإسبانية، الجيب الإسباني الملاصق للساحل الشمالي للمغرب، موجة اقتحام جماعي جديدة لحدودها من قبل مهاجرين مغاربة، سباحة عبر البحر أو عبوراً على الأقدام بعد تجاوز الحواجز الحدودية. الأرقام الرسمية الصادرة عن حكومة سبتة تحدثت عن دخول ما بين 1500 و2000 شخص خلال عشرة أيام فقط، فيما تداولت بعض المصادر غير الرسمية أرقاماً أعلى بكثير وصلت في روايات غير مؤكدة إلى عشرات الآلاف. وأياً كان الرقم الدقيق، فإن المشهد نفسه ليس استثناءً، بل تكرار لواقعة مشابهة جرت في الموقع نفسه في أيار (مايو) 2021، حين تدفق نحو 8 آلاف مهاجر خلال يومين فقط. مشاهد الشباب المغاربة، بينهم قاصرون، وهم يهتفون “تحيا إسبانيا” أثناء عبورهم إلى الأراضي الإسبانية، تختصر بصورة صادمة سؤالاً أعمق يستحق أن يُطرح دون مواربة: لماذا يركض المسلمون، بكل هذا الإصرار وبهذا الثمن الباهظ من المخاطرة بالحياة، نحو “الغرب الكافر” كما يصفه بعض الخطاب الديني المحلي؟

خريطة الهجرة: نمط لا يخطئه أحد

المغاربة والجزائريون والتونسيون يتجهون تاريخياً نحو فرنسا وبلجيكا. الليبيون والمصريون والعراقيون يتوزعون بين بريطانيا والسويد والولايات المتحدة. اللبنانيون والسوريون والأردنيون يبحثون عن فرصة في بريطانيا وأميركا وكندا. الباكستانيون والبنغلادشيون يتجهون بكثافة نحو بريطانيا. هذا النمط ليس صدفة جغرافية أو استعمارية بحتة (رغم أن الروابط اللغوية والتاريخية بالمستعمر السابق تلعب دوراً تسهيلياً لا يمكن إنكاره)، بل هو انعكاس مباشر لموازين دفع وجذب واضحة: طرد من الداخل، وجذب من الخارج.

الاستثناء الوحيد اللافت في هذه الخريطة هو دول مجلس التعاون الخليجي. فمواطنو السعودية والإمارات وقطر والكويت لا يشكلون موجات هجرة نحو الغرب بحثاً عن حياة أفضل، والسبب بسيط وواضح: عائدات النفط والغاز كافية لتمويل منظومة رعاية اجتماعية سخية، ودعم حكومي واسع، ووظائف عامة مضمونة عملياً لكل مواطن، بما يكفي لشراء السلم الاجتماعي وامتصاص أي سخط شعبي محتمل، حتى في ظل غياب مماثل للحريات السياسية عما هو قائم في باقي الدول العربية. بعبارة أخرى: المال يشتري الاستقرار، ولو مؤقتاً، حتى بلا إصلاح سياسي حقيقي.

السبب واضح ولا يحتاج لتخمين

في كل الحالات الأخرى، السبب لا لبس فيه: فشل ذريع في بناء دول ناجحة وقابلة للحياة. الفساد المستشري في أغلب الدول ذات الأغلبية المسلمة يضعها بشكل شبه ثابت في النصف السفلي من مؤشرات الشفافية الدولية سنة بعد سنة. غياب الحريات المدنية الحقيقية، وضعف استقلال القضاء، وانعدام العدالة الاجتماعية الفعلية، يجعل من “دولة القانون” شعاراً نظرياً أكثر منه واقعاً معاشاً. أضف إلى ذلك معدلات فقر مرتفعة، وبطالة واسعة خصوصاً بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية، وغياب فرص عمل حقيقية تتناسب مع النمو السكاني المتسارع في أغلب هذه الدول. النتيجة الطبيعية والمتوقعة: من يملك القدرة على الرحيل يرحل، ومن لا يملكها يخاطر بحياته في قوارب الموت أو حواجز الحدود المائية، فقط للوصول إلى نظام يوفر له حداً أدنى من الكرامة والاستقرار والفرصة العادلة، حتى لو كان هذا النظام يصنَّف دينياً بأنه “كافر”.

المفارقة الأصعب: سوريون يرفضون العودة رغم سقوط الأسد

المثال الأكثر إيلاماً وإحراجاً لهذه الأطروحة هو ما يجري اليوم مع اللاجئين السوريين في أوروبا. فبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، وهو الحدث الذي كان من المفترض أن يزيل السبب المباشر الذي دفع الملايين للفرار أصلاً، لم تشهد أوروبا موجة عودة طوعية كبرى كما كان متوقعاً. الأرقام الرسمية صادمة بمعناها: بلجيكا مثلاً سجّلت عودة طوعية لم تتجاوز 159 شخصاً فقط منذ مطلع 2025 حتى الآن، رغم تجميدها ملفات اللجوء منذ ديسمبر 2024. في المقابل، لجأت دول أوروبية عدة، من هولندا إلى اليونان، إلى تجميد أو مراجعة آلاف طلبات اللجوء المعلّقة، وسط تدقيق متزايد في الطلبات المرتبطة بادعاءات الانتماء إلى أقليات “معرضة للخطر” (كالعلويين مثلاً)، مقابل رفض متزايد لطلبات مقدَّمة من فئات أخرى (كالدروز) لم تعد السلطات الأوروبية تعتبرها في خطر حقيقي بعد التغيير السياسي. هذا التدقيق المتصاعد يعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً بأن جزءاً من طلبات اللجوء واستمرارها لم يعد مبنياً بالضرورة على خطر فعلي قائم، بقدر ما هو محاولة للبقاء في حياة أوروبية جديدة بُنيت على مدى سنوات، بصرف النظر عن التغيّر الفعلي في الوضع بالبلد الأصلي. النتيجة: من كان يهرب من الأسد، صار اليوم يبحث عن أي مبرر قانوني للبقاء بعيداً عن سوريا نفسها، حتى بعد زوال السبب المعلن للهروب.

عقبة إضافية: الاندماج الغائب

المفارقة لا تتوقف عند الرغبة في الوصول والبقاء، بل تمتد إلى ما بعد الوصول. جزء لا يستهان به من الجاليات المسلمة في الغرب يواجه، أو يخلق، إشكالية اندماج حقيقية مع مجتمعات الاستضافة: عزلة اجتماعية طوعية أحياناً داخل أحياء وتجمعات مغلقة على نفسها، تمسّك بمرجعيات دينية واجتماعية مستوردة من بلد المنشأ ترفض الانفتاح على قيم المجتمع الجديد، وأحياناً خطاب مزدوج يستفيد من مزايا الدولة ومؤسساتها بينما يستمر في التعبير عن رفض أو ازدراء لقيمها الثقافية والاجتماعية العامة. هذه ليست ظاهرة عامة تشمل الجميع بالتأكيد، فكثير من أبناء الجاليات المسلمة اندمجوا ونجحوا وأسهموا بفعالية في مجتمعاتهم الجديدة، لكن حجم النقاش المجتمعي المتصاعد في فرنسا وبلجيكا وهولندا والسويد حول “المجتمعات الموازية” (Parallel Societies) ليس نقاشاً من فراغ أو مجرد تعبير عن كراهية للأجانب، بل انعكاس لتوتر حقيقي وقابل للقياس بين جزء من الوافدين الجدد وأنظمة القيم المضيفة، توتر تتقاسم مسؤوليته سياسات الاندماج الأوروبية القاصرة أحياناً، والانغلاق الثقافي الذي يحمله بعض الوافدين معهم أحياناً أخرى.

خلاصة: السؤال ليس عن الغرب، بل عن الداخل

عنوان هذا المقال يحمل سخرية مقصودة: لا أحد ممتنّ فعلاً لكونه اضطر لترك وطنه ولغته وذاكرته ليعيش لاجئاً أو مهاجراً في بلد بارد وغريب عنه ثقافياً. “نعمة الغرب” هنا ليست امتناناً حقيقياً بقدر ما هي مرآة تعكس فشلاً داخلياً مزمناً في العالم الإسلامي: فشل في بناء دول تستحق أن يبقى فيها مواطنوها بمحض إرادتهم لا اضطراراً. طالما استمر هذا الفشل في الحوكمة ومحاربة الفساد وضمان العدالة والفرص، ستبقى قوارب الموت تُبحر، وحواجز سبتة تُقتحم، وطلبات اللجوء تُقدَّم، بصرف النظر عمن يحكم في دمشق أو الرباط أو بغداد. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس “لماذا يهرب المسلمون إلى الغرب؟”، بل “لماذا تصرّ أنظمتنا وحكوماتنا على جعل الهروب هو الخيار الأكثر عقلانية لملايين مواطنيها؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
مقتل جنديين إسرائيليين بانفجار مسيّرة تابعة للجيش في قطاع غزة

مقتل جنديين إسرائيليين بانفجار مسيّرة تابعة للجيش في قطاع غزة أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بمقتل جنديين من الجيش الإسرائيلي خطأً بعد انفجار مسيّرة تابعة للجيش في قطاع غزة، في حادثة يُنسب تصنيفها إلى «النيران الصديقة». وتتنامى هذه الحادثة ضمن عدد من المآسي التي قد تكلف مؤسسة المستقبلية على نحو ما تعكس أداء الجمرة الرادار…

Advertisement
Advertisement