من أَدْخَلُ الْمُشْرِكِينَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ ?من يهاجم الكعبة؟

من أَدْخَلُ الْمُشْرِكِينَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ ?من يهاجم الكعبة؟
في كل أزمة سياسية تمر بها المنطقة، تعود المملكة العربية السعودية لتطلق صيحة “الحرمين في خطر”. هذه المرة، يتهمون اليمنيين بمحاولة استهداف مكة المكرمة، محاولين تخويف المسلمين من اليمنيين وتشويههم في أعين العالم الإسلامي. لكن التاريخ – التاريخ الموثق في كتب السعوديين أنفسهم – يكشف عن مفارقة صادمة: من يدّعي اليوم حماية الكعبة، هو من ورث عقيدة من ضرب الكعبة بالمنجنيق، ومن أرسل الجيوش لقتل الصحابة في المدينة، ومن اقتحم الحرم المكي بالدبابات لقتل مسلمين داخل أسواره.
أولاً: العقيدة التي تمجد يزيد بن معاوية
وقعة الحرة: حين أُبيحت المدينة ثلاثة أيام
يزيد بن معاوية، الخليفة الأموي الثاني، ليس شخصية غامضة في التاريخ الإسلامي. وقد وثّق علماء أهل السنة أنفسهم ما جرى في عهده. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى”: “وجرت في إمارة يزيد أمور عظيمة، منها أن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه وأهله، فبعث إليهم جيشاً، وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثاً، فصار عسكره في المدينة النبوية يقتلون وينهبون” .
ويصف الإمام الذهبي في “سير أعلام النبلاء” أن يزيد “افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرة” . وفي وقعة الحرة، قُتل من الصحابة والتابعين خلق كثير، وارتُكبت الفواحش. يقول ابن كثير في “البداية والنهاية”: “أباح مسلم بن عقبة المدينة وقتل خلقاً من أشرافها وقرائها، وانتهب أموالاً كثيرة، ووقع شر عظيم وفساد عريض” .
بل إن المصادر السنية تذكر تفاصيل أكثر إيلاماً. فقد روى السمهودي في “وفاء الوفاء” أن جيش يزيد “استباح المدينة المنورة ثلاثة أيام، فقتل بقايا المهاجرين والأنصار وخيار التابعين وهم ألف وسبعمائة، وقتل من أخلاط الناس ما يزيد عن عشرة آلاف ما عدا النساء والصبيان، وقتل من حملة القرآن سبعمائة رجل، وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالت، وراثت بين القبر والمنبر” .
هذه هي الحقيقة الموثقة في كتب من يدّعون اليوم حراسة المقدسات. يزيد، الذي أرسل جيشاً أباح المدينة المنورة وقتل الصحابة، لا يزال يحظى بموقف “لا نسبه ولا نحبه” عند كثير من علماء السعودية، بدلاً من الإدانة القاطعة .
عبد الملك بن مروان: المنجنيق على الكعبة
لم يتوقف الأمر عند يزيد. ففي عهد عبد الملك بن مروان، أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي لمحاصرة عبد الله بن الزبير في مكة. وبحسب ما يوثقه ابن كثير في “البداية والنهاية”: “نصب الحجاج المنجنيق على مكة ليحصر أهلها… وجعلت الحجارة تقع في الكعبة” . ويذكر الطبري أن الحجاج “ضربها بالمنجنيق فاحتمى عبد الله بن الزبير بالكعبة” .
أي أن جيشاً أموياً ضرب الكعبة بالمنجنيق. هذه ليست مزاعم شيعية، بل هي حقائق موثقة في أمهات كتب السنة. عبد الملك بن مروان، الذي يعدّه كثير من علماء السنة من الخلفاء الراشدين في العدالة، هو من أرسل الجيش الذي رمى الكعبة.
فكيف يمكن لمن يورث عقيدة تمجيد هؤلاء الخلفاء أن يتهم اليمنيين بمحاولة استهداف مكة؟
ثانياً: حين اقتحمت السعودية الحرم المكي بالدبابات
في عام 1979، ومع بداية القرن الهجري الخامس عشر، شهد الحرم المكي واحدة من أكثر الأحداث دموية في تاريخه الحديث. اقتحم جهيمان العتيبي وأتباعه المسجد الحرام، فماذا فعلت الدولة السعودية؟
بحسب شهادات الضباط السعوديين أنفسهم، استُخدمت ناقلات الجند المدرعة من طراز M113، وفُتحت ثغرات في جدران الحرم، واستُخدمت القنابل الغازية لإنهاء الوجود المسلح داخل المسجد . يقول اللواء فالح الظاهري، قائد العملية: “تقدّمت ناقلات الجند من طراز M113… وفُتحت ثغرة في ممر الصفا والمروة” .
ويضيف أن العملية استغرقت 18 ساعة في القبو، حيث “دمّر المسلحون كهرباء المنطقة السفلى وأشعلوا الحرائق واتخذوا الدخان ساتراً للقنص” . وقد خرج الظاهري من المعركة مصاباً في وجهه .
والسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت السعودية “تحمي” الحرم، فلماذا اقتحمته بالدبابات وقتلت من داخله؟ هذه ليست مزاعم خصوم، بل شهادات قادة العملية أنفسهم. جهيمان كان مسلحاً داخل الحرم، تماماً كما يُزعم أن اليمنيين يهددون الحرم. لكن الفرق أن السعودية فعلت بنفسها ما تتهم الآخرين به.
ثالثاً: صدام حسين واتهامات “الأجنبي في الحرمين”
في عام 1990، وبعد الغزو العراقي للكويت، استدعت السعودية قوات أجنبية إلى أراضيها. فماذا كان رد النظام العراقي؟ أطلق صدام حسين حملة إعلامية تزعم أن “القوات الأجنبية تدنّس الأراضي المقدسة من أَدْخَلُ الْمُشْرِكِينَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ” وأن “المجندات الأمريكيات يدخلن الأرض المقدسة” .
وتوثق صحيفة “الجزيرة” السعودية أن صدام “حاول أن يشوش على العقلية العربية المسلمة بادعاء أن القوات الأجنبية التي جاءت إلى أرض المملكة العربية السعودية دخلت أرض الحرمين الشريفين…حتى اتهمته السعوية بهدم الكعبة كونه بعثي علماني كافر” .
والآن، تعيد السعودية نفسها إنتاج الخطاب ذاته، لكن هذه المرة ضد اليمنيين. تزعم أن اليمنيين يهددون مكة، محاولة تخويف المسلمين منهم. لكن من يدّعي حماية الحرمين، هو من اقتحمه بالدبابات، وهو من استدعى قوات أجنبية إلى جزيرة العرب.
رابعاً: المفارقة الكبرى
المفارقة أن السعودية تستخدم اليوم نفس التكتيك الذي استخدمه صدام ضدها قبل ثلاثة عقود. صدام زعم أن “الأجنبي يدنّس المقدسات” ليشعل الرأي العام ضد السعودية. والسعودية اليوم تزعم أن “اليمنيين يهددون الكعبة” لتشعل الرأي العام ضد اليمنيين.
لكن التاريخ لا ينسى. يزيد أباح المدينة وقتل الصحابة. عبد الملك ضرب الكعبة بالمنجنيق. السعودية اقتحمت الحرم بالدبابات. هذه ليست مزاعم، بل حقائق موثقة في كتب من يدّعون حماية المقدسات.
اليمنيون مسلمون. لا مسلم عاقل يتمنى المساس بالكعبة. لكن من أباح المدينة وقتل الصحابة، ومن ضرب الكعبة بالمنجنيق، ومن اقتحم الحرم بالدبابات، هم من يحق لهم أن يُسألوا: من يحمي من؟ ومن يهدد من؟
خاتمة
التاريخ لا يُكتب بالبيانات الصحفية، بل بالأفعال. السعودية التي تتهم اليمنيين اليوم بمحاولة استهداف مكة، هي نفسها التي اقتحمت الحرم المكي عام 1979 بالدبابات والقنابل. وهي وريثة عقيدة تمجد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان، اللذين أرسلا الجيوش لقتل الصحابة في المدينة وضرب الكعبة بالمنجنيق. من كان بيته من زجاج، فلا يرمي الناس بالحجارة. ومن اقتحم الحرم بنفسه، لا يحق له اتهام الآخرين بمحاولة اقتحامه.


