أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أو أَدْخَلُوا الْمُشْرِكِينَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ

وصية النبي محمد ﷺ الأخيرة:”أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ” — (صحيح البخاري ومسلم)
كيف خالفت أنظمة الخليج وصية الرسول بإخراج المشركين من جزيرة العرب؟
الوصية النبوية الأخيرة
من الثابت في كتب السيرة والحديث أن النبي محمد ﷺ أوصى في مرض موته بوصايا عدة، من أبرزها ما ورد في صحيح البخاري ومسلم من قوله: “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”، وفي رواية أخرى: “لا يجتمع دينان في جزيرة العرب”. وقد فهم فقهاء المسلمين عبر القرون من هذه الوصية أن شبه الجزيرة العربية، ولا سيما الحجاز، ينبغي أن تبقى خالصة للإسلام، لا يقيم فيها أهل ملة أخرى إقامة دائمة. وعلى أساس هذا الفهم نفّذ الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إجلاء يهود خيبر ونصارى نجران عن الجزيرة.
هذه المقالة تستعرض حجة يطرحها بعض الباحثين والمعلقين مفادها أن دول الخليج العربي، في سياستها الخارجية والداخلية خلال القرن الماضي وحتى اليوم، قد خالفت جوهر هذه الوصية عملياً، عبر سلسلة من التحالفات والقرارات، مع الإشارة إلى أن هذا الطرح يبقى قراءة سياسية-دينية قابلة للنقاش، وليس حكماً فقهياً متفقاً عليه.
تصحيح تاريخي: التحالف مع بريطانيا أقدم من الثورة العربية
يُشاع أحياناً أن بداية الاصطفاف الخليجي مع بريطانيا تعود إلى الثورة العربية الكبرى عام 1916، لكن هذا غير دقيق تاريخياً: فعلاقات مشيخات الخليج (الساحل المتصالح الذي أصبح لاحقاً الإمارات، والبحرين، والكويت) مع بريطانيا مؤسسة على معاهدات موقعة منذ عام 1820 (“المعاهدة العامة للسلام”)، ثم “الهدنة البحرية الدائمة” لعام 1853، أي قبل الثورة العربية بأكثر من ستين عاماً. وحتى آل سعود أنفسهم كانت لهم صلة مبكرة بهذه المنظومة: فحين خسر عبد العزيز بن سعود الرياض لصالح آل رشيد عام 1891، لجأ مع أسرته إلى الكويت التي كانت تحت الحماية البريطانية، وعاش هناك سنوات قبل استعادته الرياض عام 1902 بدعم وتسهيل من هذه الشبكة من العلاقات. أي أن نمط الاستقواء بالحماية البريطانية على الخصوم المحليين -عثمانيين كانوا أو غيرهم- كان قائماً وراسخاً في الخليج قبل عقود من “مراسلات حسين-مكماهون” ومهمة لورنس عام 1916، لا وليداً لها.
الخلاف مع الدولة العثمانية: بُعد عقدي لا سياسي فقط
يذهب أصحاب هذا الطرح إلى أبعد من التفسير السياسي المعتاد للصراع مع الدولة العثمانية، فيشددون على بُعد عقدي كان حاضراً بقوة لدى الدعوة الوهابية-السلفية في نجد تحديداً: فالعثمانيون كانوا يتبنون المذهب الحنفي الماتريدي في العقيدة، وهو مذهب كلامي ، لكنه في نظر كثير من علماء الدعوة السلفية في نجد يقع تحت طائلة الانتقاد العقدي الشديد، بل إن بعض متونهم ورسائلهم صنّفت الماتريدية، شأنها شأن الأشعرية، ضمن أهل “البدعة” في باب الصفات والإيمان، وذهب بعضهم إلى تكفير مضامين بعينها في هذا المذهب. هذا التصنيف العقدي الحاد -وهو تصنيف خاص بالمدرسة السلفيةاً- سهّل عملياً معاملة الدولة العثمانية، رغم إسلامها الرسمي وحكمها باسم الخلافة، كخصم يجوز بل يُستحسن الاستعانة عليه بقوة غير مسلمة، على عكس ما لو كان الخصم من “أهل التوحيد” بالمعنى السلفي الخالص. وهذا ما فتح الباب أمام مبدأ “العدو المشترك” الذي يبيح التحالف مع غير المسلمين ضد مسلمين آخرين يُنظر إليهم كخصم عقدي.
وعلى هذا الأساس، استعانت الثورة العربية بالدعم البريطاني المباشر، عسكرياً ومالياً واستخباراتياً (مراسلات حسين-مكماهون، ومهمة لورنس عام 1916)، لإخراج العثمانيين من الجزيرة والشام، في استمرار لنمط تحالفي كان قائماً أصلاً مع بريطانيا كما تقدم. وبصرف النظر عن التقييم السياسي لتلك المرحلة، فإن الحجة تقول إن هذا كان تصعيداً فعلياً وعلنياً لمبدأ عدم استقدام قوى غير مسلمة للتدخل في شؤون الجزيرة العربية.
من التحالف مع بريطانيا إلى التحالف مع أميركا
تتابع الحجة مسارها التاريخي: فبعد جلاء النفوذ البريطاني المباشر في منتصف القرن العشرين، ورثت الولايات المتحدة موقع الحليف الأمني الأول لدول الخليج، خصوصاً بعد اكتشاف النفط وتوقيع اتفاقية “كوينسي” بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس روزفلت عام 1945، والتي أسست لعلاقة “نفط مقابل حماية أمنية” استمرت عقوداً.
بلغت هذه العلاقة ذروتها العملية إبان أزمة الخليج عام 1990-1991، حين استقدمت السعودية ودول خليجية أخرى مئات آلاف الجنود الأميركيين وقوات التحالف الدولي لتحرير الكويت بعد الغزو العراقي، وتمركزت قوات أميركية بشكل دائم في قواعد على الأراضي السعودية والخليجية لسنوات تالية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن استضافة جيوش غير مسلمة على أرض الجزيرة، ولو بذريعة مواجهة نظام صدام حسين، يمثل مخالفة مباشرة وصريحة لنص الوصية النبوية، بصرف النظر عن المبررات السياسية أو الأمنية التي سيقت حينها، والتي عارضها فقهاء وعلماء بارزون في حينه (ومنهم من استند إلى هذه الوصية بعينها في معارضته).
العمالة الآسيوية مقابل تهميش القضية الفلسطينية
الشق الثاني من الحجة اجتماعي-اقتصادي: فمع الطفرة النفطية منذ سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت اقتصادات الخليج على استقدام ملايين العمال من الهند وباكستان وبنغلاديش والفلبين ونيبال وسريلانكا، وغالبيتهم من غير المسلمين (هندوس وبوذيين ومسيحيين)، للعمل في قطاعات البناء والخدمة المنزلية والصناعة، ضمن نظام الكفالة الذي يمنحهم إقامة طويلة الأمد، بل ودائمة الأمر الواقع، رغم أن كثيراً منهم لا يحمل الجنسية أبداً.
في المقابل، يشير أصحاب هذا الطرح إلى أن ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وهم مسلمون وعرب، ظلوا لعقود يعيشون في مخيمات في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة الغربية في ظروف اقتصادية وقانونية صعبة، بينما بقيت فرص التجنيس أو الاستقرار الدائم لهم في دول الخليج محدودة جداً مقارنة بأعداد العمالة الآسيوية غير المسلمة. ويرون في هذا التناقض دليلاً إضافياً على انقلاب الأولويات: استقبال غير المسلمين بأعداد كبيرة للعمل، مقابل تضييق الباب أمام إخوة في الدين والعروبة من أبناء القضية المركزية للأمة.
خلاصة الحجة
وفق هذا الطرح، فإن المسار لا يبدو مجرد سلسلة من “الضرورات” السياسية المتفرقة، بل نمطاً متكرراً وواعياً بذاته: تحالف مع بريطانيا قائم أصلاً منذ منتصف القرن التاسع عشر، جرى توظيفه لاحقاً ضد الأتراك الماتريديين بذريعة الخلاف العقدي كما تراه المدرسة السلفية تحديداً ، ثم الاستعانة بأميركا ضد نظام عربي مسلم آخر (العراق) بذريعة الضرورة الأمنية، ثم فتح الأبواب على مصراعيها لملايين العمال غير المسلمين، في حين ظل اللاجئ الفلسطيني -وهو الأقرب ديناً وعروبة- خلف أسلاك المخيمات.
وباختصار شديد: الوصية النبوية كانت “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”، فإذا بالممارسة التاريخية لأنظمة الخليج تقرأ الوصية مقلوبة: “أدخلوا المشركين إلى جزيرة العرب” -بريطانيا أولاً، ثم أميركا، ثم ملايين العمال من غير المسلمين- وتُخرج بالمقابل من دائرة الاهتمام والاستيعاب إخوةً في الدين قبل أن يكونوا إخوة في العروبة. لم يُخرج المشرك، بل استُقدم وأُسكن وأُمِّن له الإقامة الدائمة والعمل والحماية، بينما بقي الفلسطيني المسلم غريباً في أرضه وغريباً عن جزيرة إخوانه، حاملاً وثيقة لجوء لا جواز إقامة. فما كان “إخراجاً” تحوّل عملياً إلى “استقدام”، وما كان صوناً للجزيرة من الشرك تحوّل إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد معه، بينما دُفعت القضية الجامعة للأمة -فلسطين- إلى هامش الاهتمام والموازنات والمخيمات.
يبقى هذا الموضوع من القضايا الخلافية التي تتقاطع فيها القراءة الدينية بالتاريخ السياسي، وتستحق أن يطّلع القارئ على مختلف وجهات النظر فيها قبل تكوين موقف نهائي.