مقالات و آراء

السُّنَّة في لبنان: أليس فيكم رجلٌ رشيد؟

إذا أردنا أن نفهم واقع الطائفة السنية في لبنان اليوم، فلا بد من العودة إلى جذورها الفكرية والسياسية، لأن ما نراه اليوم يختلف في جوانب كثيرة عما كان عليه الحال قبل عقود.

تاريخيًا، كان أهل السنة في لبنان ينتمون، في غالبيتهم الساحقة، إلى العقيدة الأشعرية وإلى المذهب الشافعي. وقد ارتبط انتشار الأشعرية في بلاد الشام، ومنها لبنان، بالعهد الزنكي ثم الأيوبي، حيث دعم السلطان صلاح الدين الأيوبي المدارس الأشعرية وجعلها المرجعية السائدة في مواجهة الاتجاهات الأخرى. وعلى مدى قرون، بقيت دور الإفتاء والعلماء في لبنان يدرّسون العقيدة الأشعرية باعتبارها عقيدة جمهور أهل السنة.

بعد استقلال لبنان، اتخذت القيادات السنية مواقف سياسية اتسمت بالعروبة والناصرية أكثر من ارتباطها بالمملكة العربية السعودية. وكان التأييد للرئيس جمال عبد الناصر واسعًا داخل الشارع السني، كما تبنى كثير من القيادات السنية القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية.

وعندما وُقّعت اتفاقية القاهرة عام 1969، كان معظم القيادات السنية من أبرز المؤيدين لها، لأنها منحت منظمة التحرير الفلسطينية حرية العمل العسكري انطلاقًا من جنوب لبنان. في المقابل، عارضت الأحزاب المسيحية الاتفاق بشدة، كما أبدت شخصيات وقيادات شيعية تحفظات كبيرة عليه، معتبرة أن الجنوب اللبناني سيدفع ثمن هذا القرار.

اليوم، يبدو المشهد معكوسًا بصورة لافتة.

فالخطاب السني السائد أصبح أقرب إلى المملكة العربية السعودية منه إلى المشروع القومي العربي، كما أن العلاقة مع حزب الكتائب والقوى المسيحية اليمينية أصبحت أكثر دفئًا، في حين تراجعت الحماسة للقضية الفلسطينية لدى شرائح واسعة من الشارع السني، بل أصبح بعضهم يتبنى خطابًا معاديًا للفصائل الفلسطينية.

لكن التحول السياسي ليس وحده اللافت، بل هناك تحول فكري أكثر عمقًا.

اسأل اليوم شابًا سنيًا في لبنان: ما هي العقيدة الأشعرية؟

في كثير من الأحيان، ستكون الإجابة: لا أعرف.

كيف يمكن لطائفة كانت الأشعرية جزءًا من هويتها العلمية والدينية طوال قرون أن تصل إلى مرحلة يجهل فيها أبناؤها اسم العقيدة التي تربى عليها علماؤها؟

يبدو أن دار الفتوى، عن قصد أو عن غير قصد، لم تعد تقدم الأشعرية باعتبارها الهوية العقدية التاريخية لأهل السنة في لبنان. ومع غياب هذا التعليم، نشأ فراغ فكري، والفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا.

في هذا الفراغ، وجد الفكر السلفي مساحة واسعة للانتشار. فمن السهل أن يملأ أي تيار مكان هوية لم يعد أحد يشرحها أو يدافع عنها.

ليس المقصود هنا مهاجمة السلفية أو تمجيد الأشعرية، وإنما طرح سؤال بسيط: لماذا أصبح الانتماء العقدي التاريخي لأهل السنة في لبنان مجهولًا لدى أبنائهم؟

وهنا يبرز سؤال آخر أكثر حساسية: هل لعب التمويل السعودي، عبر المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، دورًا في هذا التحول الفكري والسياسي؟

لا يمكن إنكار أن المملكة العربية السعودية استثمرت لعقود في دعم المؤسسات الدينية السنية في لبنان، وأن هذا الدعم ترافق مع انتشار خطاب أقرب إلى المدرسة السلفية منه إلى التراث الأشعري التقليدي. لكن حجم هذا التأثير، وحدوده، يبقى موضوعًا يحتاج إلى دراسة علمية موثقة، لا إلى الشعارات.

قضية سعد الحريري: الاختبار الأكبر

أما الحدث الذي شكّل، في نظر كثيرين، الاختبار الأبرز لعلاقة الطائفة السنية بالمملكة العربية السعودية، فكان ما جرى مع الرئيس سعد الحريري عام 2017. فقد أعلن استقالته من الرياض في ظروف استثنائية، واعتبرت شخصيات لبنانية ودولية عديدة أن حريته كانت موضع شك خلال تلك الفترة، قبل أن يعود إلى لبنان ويتراجع عن استقالته.

لكن ما هو أكثر دلالة، أن سعد الحريري، الذي كان الزعيم السياسي الأول للطائفة السنية، انسحب لاحقًا من الحياة السياسية، وأُعلن عام 2022 تعليق عمله السياسي، وهو ما ربطه كثير من المراقبين بتراجع الدعم السعودي له، بل اعتبر بعضهم أن الرياض لم تعد ترغب في استمراره على رأس الزعامة السنية.

وسواء صحّ هذا التفسير أو اختلفت القراءات حوله، فإن اللافت هو غياب أي اعتراض شعبي واسع داخل الشارع السني اللبناني، سواء أثناء أزمة احتجازه في الرياض، أو بعد خروجه من المشهد السياسي. فلم تشهد المدن السنية تظاهرات كبيرة، ولم يُسجَّل حراك جماهيري بحجم الحدث دفاعًا عن زعيم الطائفة أو رفضًا لما اعتبره كثيرون تدخّلًا سعوديًا في الشأن اللبناني.

وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن لزعيم يمثل الشريحة الأكبر من السنة في لبنان أن يُستبعد من الحياة السياسية، من دون أن يثير ذلك رد فعل شعبيًا يتناسب مع مكانته؟ وهل يعكس ذلك حجم النفوذ السياسي والمالي السعودي داخل الساحة السنية، أم أن التحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها الطائفة خلال العقود الماضية جعلت هذا الواقع مقبولًا لدى جزء كبير من جمهورها؟

طرح ذلك سؤالًا مشروعًا: هل أصبحت العلاقة المالية والسياسية مع الرياض أقوى من الاعتبارات الوطنية أو الطائفية؟ أم أن الأمر يعكس تغيرًا أعمق في المزاج السياسي للسنة في لبنان؟

ليست الغاية من هذه الأسئلة إصدار أحكام نهائية، بل دعوة إلى مراجعة صادقة.

كيف انتقل أهل السنة في لبنان، خلال عقود قليلة، من هوية أشعرية شافعية واضحة، ومن خطاب قومي داعم لفلسطين، إلى واقع يجهل فيه كثير من أبنائهم تراثهم العقدي، ويختلفون سياسيًا مع كثير من مواقف أسلافهم؟

وأخيرًا، يبقى السؤال الذي يختصر كل ما سبق:

أليس فيكم رجلٌ رشيد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
🔴قصف مدفعي اسرائيلي بإتجاه تلة علي الطاهر

🔴قصف مدفعي اسرائيلي بإتجاه تلة علي الطاهر

Advertisement
Advertisement