مقالات و آراء

“لبنان أولاً”… “مصر أولاً”: دسّ السمّ في العسل

قلّما يوجد شعار سياسي بهذا القدر من البراءة الظاهرية والخطورة الكامنة مثل شعار “بلدي أولاً”. من “مصر أولاً” إلى “لبنان أولاً”، مروراً بنسخ مشابهة ظهرت في أكثر من عاصمة عربية، يبدو الشعار في ظاهره دعوة منطقية ومشروعة: أن تضع الدولة مصلحة مواطنيها فوق أي اعتبار آخر، وأن تتحرر من أعباء قضايا الآخرين. لكن التاريخ، حين نراجعه بدقة، يكشف أن هذا الشعار لم يُستخدم في أغلب الحالات كأداة لبناء الداخل، بل كغطاء لقطع الحبل السرّي مع المحيط، والتنصل من التزامات وتحالفات كانت تشكّل جزءاً من هوية البلد ودوره.

السمّ في العسل

المشكلة ليست في حبّ الوطن أو في إعطاء الأولوية لمعاناة الناس اليومية؛ هذا حق طبيعي لأي شعب. المشكلة تكمن في أن شعار “أولاً” يُستخدم عملياً، في أغلب التجارب التاريخية، كأداة لتبرير قرار سياسي استراتيجي واحد: الانسحاب من قضية جماعية كبرى، وغالباً بشكل انفرادي، دون التنسيق مع الحلفاء التقليديين، ودون طرح السؤال الأهم: ماذا سيحدث لمن تُركوا خلفنا؟

هنا يكمن “السمّ في العسل”: الشعار يُقدَّم كخطاب سيادي وواقعي وعقلاني، بينما هو في جوهره خطاب انعزالي يُعيد رسم حدود الانتماء والمسؤولية بشكل ضيّق ومصلحي، وغالباً بما يخدم أجندة خارجية أكثر مما يخدم الداخل نفسه.

النموذج التاريخي: أنور السادات و”مصر أولاً”

لا يوجد مثال أوضح من تجربة الرئيس المصري أنور السادات. بعد حرب أكتوبر 1973، بدأ خطاب “مصر أولاً” يتصدّر الساحة السياسية المصرية، بوصفه دعوة لإعادة بناء الدولة المصرية المنهكة اقتصادياً وعسكرياً بعد عقود من الحروب والمواجهة مع إسرائيل. الفكرة، من حيث المبدأ، كانت مفهومة: شعب أنهكته الحروب يستحق فرصة لالتقاط الأنفاس.

لكن الترجمة العملية لهذا الشعار كانت زيارة القدس عام 1977، ثم اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، فمعاهدة السلام المنفردة مع إسرائيل عام 1979. النتيجة: مصر خرجت من الصراع العربي الإسرائيلي بشكل أحادي، دون أن تربط سلامها بحل جذري وعادل للقضية الفلسطينية، ودون حتى التشاور الجدي مع حلفائها العرب الذين كانوا قد خاضوا معها حرب 1973 كجبهة واحدة. النتيجة المباشرة: تجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية، ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس لأكثر من عقد، وعزلة عربية شاملة لدولة كانت تُعتبر قلب النظام العربي ورأس حربته.

الأهم من ذلك: القضية الفلسطينية، التي كانت مصر عمودها الفقري عسكرياً ودبلوماسياً، فقدت أكبر حليف عربي لها دفعة واحدة، وتُركت لتُدار بموازين قوى أضعف بكثير. “مصر أولاً” لم تُبنِ مصر بقدر ما فككت جبهة كانت تحمي مصر نفسها بقدر ما تحمي القضية التي التزمت بها لعقود.

والمفارقة الأكبر أن الوعد الأساسي الذي بُني عليه شعار “مصر أولاً” — أي أن التخلي عن أعباء القضايا الجماعية سيفرغ الموارد والطاقة لبناء اقتصاد قوي ورفاهية داخلية — لم يتحقق هو الآخر. فبعد نحو خمسة عقود على معاهدة السلام مع إسرائيل، لا تزال مصر، رغم حجمها السكاني وثقلها التاريخي وموقعها الجيوسياسي، من بين الدول العربية التي تعاني أعلى معدلات الفقر والمديونية الخارجية، ومن بين أكبر الدول العربية استيراداً للقمح والغذاء الأساسي بدل أن تكون مصدّرة له كما كانت تاريخياً. بمعنى آخر: مصر لم تخسر فقط دورها الإقليمي وثقلها العربي، بل لم تحصل حتى على الثمن الذي وُعدت به مقابل هذا التخلي، وهو الرخاء الاقتصادي والاستقرار الداخلي. القطيعة مع المحيط لم تُترجَم إلى قوة داخلية، بل تحوّلت، على المدى الطويل، إلى عزلة مزدوجة: عزلة عن القضية الجماعية، وعزلة عن النمو الاقتصادي المنشود.

لبنان اليوم: نفس اللحن بأدوات مختلفة

اليوم، حين نسمع أصداء شعار “لبنان أولاً”، من المفيد أن نسأل: من يرفعه، ولماذا الآن تحديداً، وما الثمن العملي المطلوب لتفعيله؟ في أغلب الطروحات المعاصرة لهذا الشعار، الترجمة العملية هي مطالبة لبنان بالتخلي عن التزاماته تجاه محيطه العربي والإسلامي، وتحديداً تجاه القضية الفلسطينية ، تحت غطاء “بناء الدولة” و”السيادة” و”عدم الزج بلبنان في حروب الآخرين”.

المفارقة أن كثيراً ممن يرفعون هذا الشعار لا يطرحون أبداً السؤال المقابل: هل بناء الدولة يتطلب بالضرورة قطع كل رابط مع المحيط؟ أم أن هناك نموذجاً ثالثاً، بين الانخراط الكامل غير المحسوب والانعزال التام، يحفظ للبنان مصلحته الوطنية دون أن يتنكر لهويته وانتماءاته التاريخية؟ التجربة المصرية تجيب بوضوح: الانعزال الكامل لم يُنتج دولة أقوى بالضرورة؛ بل أنتج دولة معزولة عن محيطها الطبيعي لعقد كامل، قبل أن تعود مصر تدريجياً إلى محيطها العربي بثمن سياسي باهظ.

نماذج أخرى: من الخرطوم إلى المنامة

مصر ليست الحالة الوحيدة، بل هي فقط الأوضح والأقدم زمنياً. النمط نفسه تكرر، بصيغ مختلفة، في أكثر من عاصمة عربية:

السودان و”مصلحة السودان أولاً”: في 2020، جرى الترويج لتطبيع الخرطوم مع إسرائيل تحت شعار مشابه: إخراج السودان من قوائم العقوبات الأميركية، وفكّ عزلته الاقتصادية، عبر التخلي عن موقف تاريخي كان السودان يتبناه منذ قمة الخرطوم الشهيرة عام 1967 ولاءاتها الثلاث الرافضة للتفاوض والتطبيع والاعتراف بإسرائيل. النتيجة، بعد سنوات قليلة فقط، لم تكن ازدهاراً اقتصادياً، بل انزلاق السودان إلى حرب أهلية مدمرة ومجاعة واسعة النطاق، ما يطرح تساؤلاً جدياً حول ما إذا كان التخلي عن الموقف التاريخي قد جلب فعلاً الاستقرار الموعود.

الإمارات والبحرين و”اتفاقيات أبراهام”: التطبيع الخليجي مع إسرائيل عام 2020 قُدّم بخطاب مشابه: أولوية المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية الوطنية على حساب أي ربط بمسار تسوية القضية الفلسطينية، خلافاً حتى لمبادرة السلام العربية لعام 2002 التي كانت تشترط انسحاباً إسرائيلياً وحل القضية الفلسطينية مقابل التطبيع الشامل. هنا أيضاً، أُفرغ “المطلب الجماعي” من مضمونه لصالح مسار ثنائي منفرد.

الأردن و”الأردن أولاً” في التسعينيات: بعد معاهدة وادي عربة 1994، طُرح شعار مشابه في الأردن لتبرير المسار المنفرد مع إسرائيل، رغم أن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السكانية التي تضم نسبة كبيرة من أصول فلسطينية، كان من أكثر الدول العربية ارتباطاً عضوياً بالقضية الفلسطينية. ثلاثة عقود لاحقة، لا يزال الأردن من بين الدول العربية الأكثر هشاشة اقتصادياً، ولا تزال العلاقة مع إسرائيل مصدر توتر شعبي داخلي متكرر، بدل أن تكون مصدر الرخاء الموعود.

القاسم المشترك بين هذه التجارب جميعاً: الوعد كان دائماً اقتصادياً وتنموياً “أنت أولاً، وستزدهر”، والنتيجة كانت في أغلب الحالات مزيجاً من العزلة السياسية والهشاشة الاقتصادية المستمرة، دون أن يتحقق الرخاء الموعود الذي بُرّر به التخلي عن القضايا الجماعية.

التناقض مع المرجعية الإسلامية

هذا الخطاب الانعزالي لا يصطدم فقط بالتجربة التاريخية، بل يصطدم أيضاً بنص ديني واضح لا مجال للاجتهاد فيه. فقد ثبت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قوله: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” (رواه البخاري ومسلم).

هذا الحديث يؤسس لمبدأ عقدي وأخلاقي واضح: لا يمكن لأي جزء من الجسد الإسلامي أن يدّعي العافية بينما بقية الجسد يتألم، ولا أن يبرر عافيته بقطع الشريان الذي يربطه بباقي الأعضاء. من هذا المنظور، فإن أي شعار يقوم على مبدأ “أنا أولاً، ولا يهمني ما يصيب جاري”، لا يتناقض فقط مع منطق التضامن العربي التقليدي، بل يتناقض مع نص ديني صريح يجعل من الشعور بألم الآخر جزءاً لا يتجزأ من الإيمان نفسه.

خلاصة: التمييز بين المصلحة الوطنية والتنصّل

لا أحد يطالب أي بلد عربي أو إسلامي بأن يضحي بمصلحته الوطنية أو أن يُقحم شعبه في معارك لا طاقة له بها. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين “أولوية وطنية” مسؤولة تُدار بحكمة وتوازن، وبين شعار “أولاً” يُستخدم كأداة لتبرير قطيعة كاملة مع المحيط والقضايا المصيرية المشتركة. التجربة المصرية أثبتت أن هذا النوع من القطيعة لا يبني دولة أقوى بالضرورة، بل يترك فراغاً يُملأ بثمن سياسي وأخلاقي باهظ، بينما القضية التي تم التخلي عنها تبقى معلّقة، تنتظر من يحملها من جديد.

في النهاية، من يرفع شعار “بلدي أولاً” بمعناه الانعزالي، عليه أن يسأل نفسه: هل هذا فعلاً خيار سيادي نابع من مصلحة شعبه، أم أنه، مرة أخرى، وصفة جاهزة صيغت في مكان آخر، تُقدَّم له معلّبة تحت غطاء وطني براق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
‏القيادة المركزية الأميركية: حولنا مسار 9 سفن تجارية حاولت خرق حصار إيران

‏القيادة المركزية الأميركية: حولنا مسار 9 سفن تجارية حاولت خرق حصار إيران

Advertisement
Advertisement