تدجين الشيعة وليس هزيمتهم

منذ أن بدأت “محور المقاومة” يتلقى الضربة تلو الأخرى، وإيران تُجبَر على التراجع في أكثر من ساحة، انتشر في الخطاب السياسي والإعلامي — خصوصاً في أوساط التيار السنّي المتشدد — تصوّر مفاده أن “الشيعة” ككيان مذهبي وديني يسيرون نحو الأفول، وأن واشنطن تخوض حرباً وجودية ضد التشيّع بما هو مذهب وهوية. هذا التصور مريح لأصحابه، لكنه خاطئ في جوهره. فما تسعى إليه الولايات المتحدة ليس هزيمة الشيعة، بل تدجينهم.
واشنطن لا تكترث للعقيدة
الولايات المتحدة، بصفتها قوة تُدير مصالح لا عقائد، لا يهمها أن يكون الفرد أو المجتمع في الشرق الأوسط شيعياً أو سنياً أو بوذياً أو ملحداً. ما يهمها هو مدى قابلية هذا المجتمع أو هذه الدولة أو هذا التيار الديني للانضباط ضمن منظومة إقليمية تخدم استقرار حلفائها وتدفق مصالحها الاقتصادية والأمنية. الدين، من هذا المنظور، ليس عدواً بحد ذاته، بل أداة يمكن أن تكون خطرة إذا تحوّلت إلى مشروع سياسي مستقل، أو نافعة إذا أُعيد تدجينها لتصبح جزءاً من النظام القائم.
وهذا بالضبط ما جرى مع التشيّع الإيراني: لم تكن المشكلة أن إيران “شيعية”، بل أن التشيّع الإيراني تحوّل، منذ عام 1979، إلى مشروع سياسي عابر للحدود ، ويبني شبكة من الفاعلين غير الدولاتيين (حزب الله، الحشد الشعبي، الحوثيون، فصائل عراقية وسورية) تتحدى البنية الإقليمية التي رسمتها واشنطن وحلفاؤها منذ عقود. المشكلة إذاً ليست في المذهب، بل في النموذج السياسي الذي حمله هذا المذهب عبر ولاية الفقيه.
سابقة جاهزة: ماذا فعلت واشنطن بالسنّة؟
من يريد أن يفهم إلى أين تتجه الأمور مع الشيعة، عليه أن ينظر إلى ما جرى مع “الإسلام السنّي” خلال العقدين الماضيين. لم تُهزم السنّية كديانة أو كهوية لمليار ونصف المليار مسلم؛ ما جرى هو عملية تدجين ممنهجة:
- تفكيك المشروع السياسي الجامع: ضرب الإسلام السياسي بنسخته الإخوانية بعد الربيع العربي، وتقليص نفوذه من مصر إلى تونس.
- احتواء المؤسسات الدينية الكبرى: الأزهر، ودور الإفتاء الرسمية في الخليج ومصر والأردن، أُعيد توجيهها لتقديم خطاب “إسلام معتدل” متصالح مع النظام الدولي القائم.
- إنتاج نموذج بديل مروَّج له إعلامياً وسياسياً: “التسامح الديني”، “الإسلام الوسطي”، مراكز الحوار بين الأديان، وكلها مشاريع لا تُلغي الإسلام بل تعيد صياغته ضمن حدود لا تهدد النظام الإقليمي.
- تجفيف منابع التمويل والسلاح عن التيارات الجهادية، مع إبقاء الهوية السنّية العامة سليمة ومحترمة، بل ومُستخدمة أحياناً كأداة موازنة ضد إيران.
النتيجة: السنّية موجودة، حيّة، منتشرة، لكنها — في غالب الدول المتحالفة مع واشنطن — منزوعة الشوكة السياسية. هذا هو “التدجين” بعينه: لا إلغاء للهوية، بل إعادة توجيهها.
نفس المنطق يُطبَّق الآن على التشيّع
ما يحصل اليوم مع إيران ومحورها ليس استثناءً، بل تكراراً لنفس الوصفة. الهدف الأميركي ليس “محو الشيعة” — وهو أمر مستحيل عملياً أمام وجود عشرات الملايين من الشيعة في إيران والعراق ولبنان والخليج وأفغانستان وباكستان والهند — بل:
- تفكيك النموذج الإيراني الثوري، أي ولاية الفقيه كمشروع تصديري، تماماً كما فُكِّك المشروع الإخواني.
- تقليص الأذرع العسكرية والسياسية (حزب الله، الحشد، الحوثيون) دون المساس بالوجود الشيعي الاجتماعي والديني بحد ذاته.
- تشجيع نموذج بديل “هادئ”، أقرب إلى ما يُعرف بـ”المرجعية النجفية التقليدية” ذات الطابع القيادي غير السياسي، على غرار خط السيد السيستاني، مقابل خط “الفقيه الحاكم” في قم وطهران.
- دمج الشيعة ضمن الأنظمة القائمة كطائفة من طوائف الدولة الوطنية، لا كمشروع عابر للحدود.
بعبارة أخرى: واشنطن لا تريد إبادة التشيّع، بل تريد شيعة بلا “خمينية”، تماماً كما أرادت سنّة بلا “قطبية” أو “إخوانية”. الشيعي المطلوب في هذا التصور هو مواطن ضمن دولته، لا مقاتل في مشروع أممي.
الدليل الأوضح: الشيرازيون في دول الخليج
إن أردت دليلاً عملياً على أن المشكلة ليست عقائدية بل سياسية بحتة، فانظر إلى التيار الشيرازي. هذا التيار يُصنَّف عند غالبية التيارات السنّية، بل وحتى عند شريحة واسعة من الشيعة أنفسهم، على أنه من أكثر الاتجاهات تشدداً تجاه الصحابة وبعض رموز الصدر الأول، ويُتَّهم أتباعه دائماً بإحياء طقوس وخطابات تُعتبر استفزازية في الخطاب الطائفي التقليدي. من الناحية العقائدية البحتة، الشيرازية تمثل، في نظر خصومها، “أقصى” ما يمكن أن يبلغه التشيّع من مواجهة مع الموروث السنّي.
ومع ذلك، فإن هذا التيار بالذات يحظى بحرية حركة وقبول لافت في أكثر من دولة خليجية، بل ويُسمح لمرجعياته ومؤسساته بالعمل والانتشار في بيئات هي أصلاً حذرة تاريخياً من أي حضور شيعي منظّم. السرّ بسيط: الشيرازية، على عكس الخط الخميني، لا تؤمن بولاية الفقيه المطلقة ولا تنتظم سياسياً وعسكرياً تحت عباءة طهران؛ بل إن جزءاً كبيراً من تاريخها هو الخصومة مع الجمهورية الإسلامية وتياراتها الموالية لها. إنها، من الناحية السياسية، تيار “بلا مشروع دولة”، لا يطمح لتصدير ثورة ولا لبناء أذرع مسلحة عابرة للحدود.
هذا المثال وحده يكشف زيف الخطاب القائل إن الصراع الإقليمي هو صراع مذهبي عقائدي. فلو كانت المشكلة في المحتوى العقائدي، لكان الشيرازيون أول من يُستهدف ويُقصى، بحكم موقعهم “الأكثر تطرفاً” عقائدياً بحسب معايير خصومهم. لكن الواقع هو العكس: يُغَضّ الطرف عن حدّتهم العقائدية لأنهم لا يشكلون خطراً سياسياً أو أمنياً، بينما يُحارَب خطاب أكثر اعتدالاً من الناحية العقائدية إن كان مرتبطاً تنظيمياً وسياسياً بطهران. وهذا يؤكد الأطروحة المركزية: لا أحد يحاسب الشيعة على عقيدتهم، بل على درجة ارتباطهم بمشروع سياسي يتحدى النظام الإقليمي القائم. الشيعي “المدجَّن”، حتى لو كان متشدداً في خطابه الديني، مقبول ومرحَّب به؛ أما الشيعي “المسيَّس” ضمن محور طهران، فهو الهدف — بصرف النظر عن اعتدال خطابه العقائدي.
لماذا هذا يعني أن التشيّع سيبقى مهما جرى؟
الشيعة ليسوا مشروعاً سياسياً قابلاً للحل بضربة عسكرية أو عقوبات اقتصادية؛ هم مجتمعات بشرية بمئات السنين من الحضور المتجذر في العراق ولبنان وإيران والخليج. سقوط أو تراجع “المحور” الذي تقوده إيران، مهما كان مؤلماً على المستوى الجيوسياسي لأنصاره، لا يعني ولن يعني زوال المذهب أو انكفاء أتباعه دينياً واجتماعياً. الدين لا يُهزم بالجيوش؛ ما يُهزم هو المشروع السياسي الذي يحاول احتكار تمثيله.
رسالة إلى المتحمسين لـ”سقوط الشيعة”
كل من يراهن، من موقع التشدد السنّي، على أن ضعف إيران يعني اقتراب “نهاية” الشيعة، ينتظر شيئاً لن يأتي. فحتى لو تحقق كل ما يتمناه من انكسار للمحور الإيراني، فإن النتيجة النهائية ليست اختفاء المذهب، بل ظهور نسخة أكثر “قابلية للإدارة” منه — أذكى وأكثر اندماجاً في الأنظمة القائمة، وربما أصعب في استهدافها لاحقاً لأنها لن تحمل راية مواجهة مكشوفة. من ينتظر “هزيمة الشيعة” كمذهب، عليه أن يستعد لانتظار طويل، لأن ما يجري ليس محو هوية، بل إعادة تشكيلها بما يخدم توازنات جديدة، تماماً كما جرى مع خصمه السنّي قبله.
في النهاية، لا يوجد مشروع أميركي لتصفية طائفة أو مذهب؛ يوجد فقط مشروع لإعادة صياغة كل الأطراف — سنّة وشيعة على حد سواء — ضمن قالب لا يهدد الهيمنة الإقليمية. من يفهم هذه القاعدة يوفّر على نفسه وهم الانتصارات المذهبية القادمة من الخارج.