تهويد الامارات: ماذا يفعل أمير تسرفاتي في دبي؟

منذ توقيع “اتفاقيات أبراهام” في سبتمبر 2020، لم تعد طبيعة العلاقة بين الإمارات العربية المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي مجرد تكهنات أو تسريبات. إنها شراكة سياسية واقتصادية وعسكرية معلنة، تتطور بوتيرة متسارعة أمام مرأى العالم. لم تكتفِ الإمارات بفتح سفاراتها في تل أبيب، بل مضت قدماً في تعزيز التعاون الدفاعي المشترك، حيث كشفت تقارير صحفية عن إنشاء صندوق دفاعي إماراتي-إسرائيلي مشترك لتطوير أنظمة تسليحية جديدة، بعشرات المليارات من الدولارات. وهذا ليس سوى غيض من فيض تحالف استراتيجي يتجاوز حدود التطبيع الظاهر إلى شراكة عسكرية عميقة.
الإمارات ليست جنة حرية … والأقليات الدينية تئن تحت وطأة القمع
قبل أن نتحدث عن “التسامح” الإماراتي المزعوم، لا بد من التذكير بحقيقة مرة: الإمارات ليست جنة للحرية، خاصة الحرية الدينية. ينص الدستور الإماراتي صراحة على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، ويحظر القانون التبشير بغير الإسلام، والتحول عن الإسلام، والتجديف.
أما الشيعة، الذين يشكلون نحو 15% من السكان وهم من السكان الأصليين للإمارات، فيعيشون في حالة من التهميش المقنن. فبينما تمول الحكومة المساجد السنية، تُترك الشؤون الشيعية لمجالس إدارية محدودة الصلاحيات. والأدهى أن السلطات تسمح للشيعة بإحياء شعائر عاشوراء في الخفاء وليس في العلن. وفي سياق التوترات الإقليمية مع إيران، تحول القمع إلى حملات ترحيل جماعية استهدفت الآلاف من الشيعة الباكستانيين والعراقيين والبحرينيين المقيمين في الإمارات. تقارير موثقة تتحدث عن ترحيل أكثر من 7,500 شيعي باكستاني منذ فبراير 2026 وحده، وسط اتهامات بتعذيبهم وإهانتهم في مراكز الاحتجاز.
أما الهندوس والمسيحيون، ومعظمهم من الوافدين، فيواجهون قيوداً خانقة. فبناء دور العبادة يخضع لتراخيص بيروقراطية معقدة، وغالباً ما تضطر الطوائف غير المسلمة إلى مشاركة أماكن العبادة بسبب محدودية المسموح به. والممارسة الدينية مقيدة بقوانين تمنع إقامة الأبراج أو عرض الصلبان أو الرموز الدينية خارج الكنائس. وحتى التطوع أو تنظيم الأنشطة الخيرية الدينية مقيد. ناهيك عن أن التحول عن الإسلام جريمة يعاقب عليها القانون، والتبشير بين المسلمين ممنوع منعاً باتاً.
هذه هي الإمارات التي تتباهى اليوم بـ”التسامح” و”التعايش”!
من هو أمير تسرفاتي وماذا يبشر؟
أمير تسرفاتي إسرائيلي من مواليد القدس، خدم برتبة رائد في جيش الاحتلال الإسرائيلي. أسس منظمة “Behold Israel” غير الربحية التي تهدف لنشر تعاليمه الدينية في أنحاء العالم. لكن الأهم أنه يهودي مسياني – أي يهودي يؤمن بأن المسيح هو يسوع الناصري – وهو ما يجعله شخصية مثيرة للجدل في الأوساط اليهودية المتشددة.
يتجول تسرفاتي حول العالم يلقي المحاضرات عن “نبوءات نهاية الزمان” ودور إسرائيل المحوري في الخلاص الإلهي. وهو مؤلف عدة كتب، بعضها حقق قائمة أفضل الكتب مبيعاً في نيويورك تايمز. يسافر إلى جنوب أفريقيا وأوروبا وأميركا لنشر رسالته التي تزاوج بين التحليل السياسي للشرق الأوسط والتأويل الكتابي لنبوءات العهد القديم والجديد.
السؤال الكبير: ماذا يفعل في الإمارات؟
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ما الذي يفعله مبشر يهودي مسياني – يحمل عقيدة تخلط بين اليهودية والمسيحية – في دولة عربية خليجية، رسمياً مسلمة، ومن المفترض أن قوانينها تمنع التبشير؟
هل هو مجرد “تسامح ديني” لإرضاء الغرب؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك بكثير؟
لننظر إلى الأرقام: تشير التقديرات إلى وجود نحو 2000 يهودي فقط يقيمون في الإمارات، منهم حوالي 500 يمارسون شعائرهم الدينية. وهذا العدد تضاعف منذ اتفاق التطبيع. وتُخطط الإمارات لبناء أول حي يهودي كامل في الخليج، يضم كنيساً ومدارس ومراكز مجتمعية. وفي أبوظبي، تم إنشاء أول كنيس يهودي مرخص رسمياً.
السؤال المشروع: هل هذا هو “التسامح” الذي تزعمه الإمارات، أم أنه جزء من مشروع سياسي-عسكري أوسع يهدف إلى ترسيخ وجود يهودي في قلب الجزيرة العربية؟
من التسامح إلى التبشير … أين الحد؟
إذا كانت الإمارات تمنع التبشير بالمسيحية بين المسلمين، وتجرم التحول عن الإسلام، وتقمع الشيعة وتُخضع الهندوس والمسيحيين لقيود مشددة، فكيف تسمح بدخول مبشر يهودي مسياني – وهو من أشد الدعاة حماسة لنشر عقيدته – إلى أراضيها؟ وكيف تسمح له بالتجول وإلقاء المحاضرات ونشر رسالته التي تدعو للإيمان بـ”المسيح” بوصفه المخلص؟
هل نحن أمام ازدواجية معيارية صارخة؟ أم أن الإمارات تفتح أبوابها لأي تيار يهودي – مهما كان تطرفاً – في إطار تحالف استراتيجي شامل مع الكيان الصهيوني، حتى لو كان الثمن هو المساس بالهوية الإسلامية العربية للمنطقة؟
أسئلة كبيرة تنتظر الإجابة
- هل زيارة تسرفاتي للإمارات مجرد محطة في جولته العالمية، أم أنها تحمل أبعاداً دينية وسياسية أعمق؟
- لماذا تحتضن الإمارات مبشراً يهودياً مسيانياً في وقت تضيق فيه الخناق على طوائف إسلامية ومسیحية بأكملها؟
- هل هناك نية لتحويل جزء من المسلمين أو الوافدين إلى اليهودية تحت غطاء “التسامح” و”التعايش”؟
- وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يتفق هذا مع قوانين الإمارات التي تجرم التبشير والتحول عن الإسلام؟
هذه الأسئلة ليست تهويمات، بل استفهامات مشروعة في ظل ما نشهده من تحولات دراماتيكية في المنطقة. الإمارات تريد منا أن نصدق أنها أصبحت فجأة نموذجاً للتسامح الديني، بينما الحقائق على الأرض تقول عكس ذلك تماماً.
المشهد في دبي اليوم يحمل رسائل متضاربة: من جهة، قمع للأقليات المسلمة وغير المسلمة؛ ومن جهة أخرى، ترحيب بداعية يهودي مسياني ينشر عقيدته بحرية. وهذا التناقض الصارخ هو ما يثير الريبة ويطرح التساؤلات الأكثر إلحاحاً حول مستقبل الهوية الدينية والثقافية في المنطقة برمتها.
